(وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)

0 44

كتب: طارق حنفي

لما كان العقل البشرى لا يستطيع أن يصل إلى الكمال، وحاله وجوب النقص والميل والتوجيه بهوى النفس؛ لم يستطيع أن يتعرف الإنسان من تلقاء نفسه معرفة كامله صحيحة على الله، وإن فطر على معرفته، فكان الهوى والضلال وعبادة المخلوقات من دون الله… ولأن النفس تميل إلى فعل ما تهواه دون النظر إلى المصلحة فى العموم، إحتاح الإنسان إلى الرسل والأنبياء ليصححوا لهم الخاطئة من مفاهيمهم ويشرعوا لهم المناسب من عند الله… ولكن فى معظم الأحوال كانت بعثة الأنبياء لغرض معين، كتصحيح مفهوم خاطئ، أو النهى عن منكر ومعصية متفشية فى زمان ما أو مكان……………

قالوا فى تفسير الآية الكريمة:
(وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) أي داعياً الخلق إلى عبادة ربهم، (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند، وقالوا: (وداعيا إلى الله) الدعاء إلى الله هو تبليغ التوحيد والأخذ به، ومكافحة الكفرة، (بإذنه) هنا معناه بأمره إياك، وتقديره ذلك في وقته وأوانه، (وسراجا منيرا) هنا استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه… وقيل: (وسراجا) أي هاديا من ظلم الضلالة، وأنت كالمصباح المضيء، (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّه) يقول وداعيا إلى توحيد الله، وإفراد الإلوهية له،  وَإخلاص الطاعة لوجهه دون سواه……

ويقول الشيخ الشعراوى رحمه الله:
(وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ) أي بأمر منه، لا تطَوُّعاً من عندك، فقد يأتي زعيم من الزعماء أو مصلح من المصلحين بمنهج أو بأفكار من عنده ويبثُّها في مجتمعه، فقوله تعالى: (بِإِذْنِهِ… ) يبين الفرق بين الرسول والمصلح من البشر، فهذا الذي جاء به محمد من عند الله، وما بلَّغكم به إلا بأمر الله…

وهنا والله أعلم نقول:
كما أن كل نبى ورسول بعث لهدف وغاية فى حدود مكانه وزمانه، ومنهم من أفعاله وحكمه تخطت زمانه (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)، وجب أن يمدهم الله بمعجزات مناسبة لعلوم هذا الزمان بحيث تعجز علمائه، فهذا سيدنا موسى عليه السلام ينتصر على السحر والسحرة بإذن الله، وهذا سيدنا عيسى عليه السلام ومعجزاته فى الطب التى أعجزت أطباء عصره، والتى وصلت إلى إحياء الموتى بإذن الله (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ)….. ولما كان سيدنا محمد صل الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين وجب أن تبقى معجزته نور يهدى العالمين فى وقته وزمانه وفى كل وقت وحين… يقول رب العزة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ففى معناها إن الله وملائكته يباركون على الحبيب المصطفى الأمين، ومباركة الله لسيدنا محمد تختلف عن مباركته سبحانه لسيدنا إبراهيم (بارك الله لسبدنا إبراهيم بأن جعل فى ذريته النبوة) لأن سيدنا محمد هو خاتم الانبياء والمرسلين ولا نبى بعده فكانت بركته عليه هى إذن الله له بأن يدعو العالمين إلى التوحيد الخالص وعبادة الله، بارك له الله فى معرفته إياه، فكان عارفا كاملا بالله، والدعوة إلى التوحيد وشرح وتوضيح معناه… ويقول رب العزة: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) صلاة الله على الناس رحمة، ورحمة الله كانت بإرساله نبى الرحمة ليعرف الناس على الله الواحد الأحد ويخرجهم بإذنه من الضلال إلى الهدى، فكان سيدنا محمد هو النور الهادى المبين ليخرج الناس بإذن الله من طريق الضلال إلى طريق الله المستقيم…

سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام هو النبى الوحيد بين جميع الأنبياء الذى له سنة مباركة محفوظة تشمل جميع مناحى الحياة، عمله وصلاته ومعاملاته وعبادته وحياته كانت فى طريق معرفة الله وطاعته، فى سعيه وسكونه، وكلامه وسكوته، وعمله وعبادته، كفرد وجندى وحاكم وقائد، شيخ وقاضى وإمام، زوج ورجل وراعى أغنام… سنة كاملة فى جميع مناحى الحياة، ليست مجرد حكم ونصائح وإرشاد ولكن تطبيق وعمل ومعاملات وعبادة……
إذن الله له سخر له الأسباب، إذن الله له إلهام بالكلام والفعل والعمل، فكل الأنبياء الذين فعلوا المعجزات بإذن الله لم يأتوا علم ما يفعلون من المعجزات ولكن كانوا يفعلونه بإلهام كلمات وأفعال وتثبيت من عند الله لهم فى حينه، كانوا يفعلون المعجزات بإذن الله…. وبالقياس من القرآن كان إذن الله لسيدنا محمد هو الدعوة إلى الله، إذن الله له جعله أعلم الخلائق بالله وما يريده سبحانه من خلقه، وكيفية الوصول إلى مغفرته ورضاه، فهو أعلم الخلائق بطريق نيل حب الله ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)……

إن غاية الغايات هى معرفة الله، فالعبادة تلزمها المعرفة، والسعى إلى الله يتطلب نورا يكشف إلى الساعى ما يصده عن التقرب من الله ونيل رضاه، فكان سيدنا محمد داعيا إلى الله بأمر الله لا بعقله وعلمه أو قلبه وهواه ولكن بشرع وتيسير الله، يمده الله بالوحى الذى يضمن له استمرار نوره الهادى إلى الله، فهو نور ممدود بمداد إلهى يضمن له الإستمرار فى الطريق المستقيم… إذن الله له بالدعوة إليه منع عنه الموانع وصرف عنه الصوارف، وكشف له شياطين الجن والإنس، أسلم له قرينه، وغسل قلبه وأخذ منه السواد، وكسرت له قيود نفسه فتحرر من هواه (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ)، فهم المطلوب وجمع المراد للوصول إلى رب العباد، فكان كلامه نور وعمله نور وعبادته نور، كانت سنته نور تهدى إلى الله…..

اللهم صل وسلم وبارك على السراج المنير والهادى المبين محمد الأمين من صدقناه واتبعناه واهتدينا بهديه إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين….

طارق حنفي

Leave A Reply