(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

خواطر حول قصة سيدنا يوسف عليه السلام... وسؤال، كيف أصبح إخوة يوسف ك (الكواكب) بعد الذنب الذى اقترفوه؟!!!!!!!

0 133

كتب: طارق حنفي

هو الله الغالب لما سواه، وهو سبحانه الفعال لما يشاء…
وردت الآية الكريمة فى سورة يوسف، وقصة يوسف عليه السلام هي أحسن القصص الذى أوحى الله به إلى حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام (ومن أحسن من الله قيلا)… هى قصة اصطفاء واجتباء وتعليم وتمكين، قصة صبر وإحسان وتوبة وجزاء خير من الله… قصة كامله المحتوى مليئة بالمشاهد والحكم والعظات؛ لها بداية ولها نهاية، بدايتها رؤية ونهايتها تأويل هذه الرؤية فى مشهد حقيقى يجسد معناها للعيان، وكيف لا (والله غالب على أمره)، وهو سبحانه فعال لما يشاء، بعلمه وحكمته ولطفه وعدله سبحانه يشاء ويفعل ما يشاء حين يشاء حيث يشاء…….
تبدأ القصة برؤية سيدنا يوسف التى رواها لأبيه يعقوب عليهما السلام (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)  (يوسف-4)، ثم مشاهد كيد إخوته له وإلقائه فى قاع البئر، والتقاط بعض المسافرين له ثم بيعه لرجل من مصر، ومرحلة تعليم سيدنا يوسف علم تأويل الأحاديث (ومنها تفسير الأحلام)، ومحاولة إغوائه ثم ابتلائه وسجنه، ثم تمكينه فى الأرض وتنصيبه على خزائن مصر (ولما لا وهو حفيظ عليم)، ولقائه بإخوته وأمه وأبيه، ونزوحهم جميعا إليه فى مصر، وسجود أبيه وأمه وإخوته له سجود تحية وإكرام بعد أن رفع أبويه على العرش بقربه… الأب والأم وأحد عشر أخ كلهم سجدوا له، وكان هذا تأويل رؤياه قد جعله الله حقا، وليس مجرد تأويل (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(يوسف-100,99)، ولما لا وهو سبحانه غالب على أمره…..

والسؤال الذي لم ينتبه الكثيرون إليه، كيف أصبح إخوة يوسف ك (الكواكب) بعد الذنب الذى اقترفوه؟!!!!!!!

يعقوب عليه السلام: قص يوسف على أبيه رؤياه فأجابه الأب: (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف-6,5)…. أقول والله أعلم: أن سيدنا يعقوب عليه السلام نفسه أوتى علم التأويل ولو بطريقة مختلفة (وإلا كيف أخبر يوسف بهذا كله بعد أن قص عليه الرؤيا؟!) وبطريقة ما علم بعض ما سوف يحدث كأنه يرى مشاهد متقطعة منها، رأى ويا لقسوة ما يرى الأب، عندما يرى أبنائه يكيدوا لأخيهم، ورأى ما جعله يوقن بأن الله سيجتبى يوسف ويعلمه تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليه، ويتم نعمته على آل يعقوب جميعا عن طريقه (أبنائه جميعا وأهليهم)، ولكن كيف يحدث ذلك وقد علم أن عشرة من أبنائه سيكيدون لأخيهم؟!!!!!!!!!وهو ما جعله يحزن ويخاف على يوسف ويحاول منع كيدهم له، ولكن الله غالب على أمره………… (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ) (يوسف-14,13,12,11)، كان يملأه القلق والخوف على أبنائه جميعا من أن تكون أفعالهم ومعاصيهم سببا فى ألا يتم الله نعمته عليهم (وليس على يوسف وحده) فى أن يكون هو وأبنائه سبب فى فقدان نعمة الله التى أنعمها على إبراهيم وإسحاق (عليهم جميعا السلام) من قبله، ولكن خوفه وقلقه هذا جعله يحيط ويهتم بيوسف أكثر من الباقين، لكن لم يغنى خوفه على يوسف من الله شيئا…….

ولم يستطع منع كيد إخوته له، وفعلوا بيوسف ما فعلوه، وكان صبره صبرا جميلا، صبر العالم بحكمة الله، الراغب فى رضا الله، مع ما يعتصره من القلق والحزن (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (يوسف-18)……

إخوة يوسف: نفس الجريمة الأزليه، نفس الشعور بالغيرة والحسد والذى يقود صاحبه إلى عصيان أمر الله وارتكاب الذنوب والمعاصى، ولهم فى إبليس وآدم، وقابيل و هابيل العظة، لكنهم كانوا أرحم على أخيهم من قابيل بأخيه فهم لم يقتلوا يوسف وإن راودتهم الفكرة، ولكن ألقوه فى قاع البئر، ألقوه فى قاع البئر فجعله الله على قمة الملك، أرادوه عبدا فجعله الله ملكا، أرادوا بفعلتهم أن يخلوا لهم وجه أبيهم وأن ينسى يوسف ولكنه لم ينساه ولو للحظة حتى أصبح شيخ كبيرا لا يراهم أمامه، ولما لا والله غالب على أمره…… ثم اتفقوا على التوبة بعدها وأن يكونوا قوما صالحين (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) (يوسف-9)، لكنهم لم يعلموا أن الذنوب والمعاصي تترك من الآثار على القلب والروح الكثير، فهى تظلمهما وتعرش عليهما الحجب والأغشية، وأن التوبة بعد الذنب ليس فقط قول ولكنه شعور لابد أن يكون من القوة بحيث ينير تلك الظلمة ويهدم الحجب والأغشية، وأن التوبة في أصلها توفيق ورحمة من الله، وأن الله هو الذى يأذن لعباده بالتوبة ليتوبوا، فهو سبحانه غالب على أمره………..

يوسف عليه السلام: هو الصديق الذى اصطفاه ربه وعلمه من تأويل الأحاديث، الحفيظ العليم الذى مكن له الله فى الأرض وجعله على خزائنها، هو النبى الذى جعل الله سيرته مثالا لليسر بعد العسر، مثالا للتمكين والعز بعد الذل والسجن، مثالا للصبر على الصبر الذى يبلغ اليسر، فكان صبره إحسان (تقوى وصبر)، صبر ورضا وثبات وعمل خير، صبر بلا حزن ولا قلق ولا معصية (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف-10)، كاد يوسف لإخوته بإذن الله ولكن شتان بين كيده لهم وكيدهم له… شتان بين الحاسد والمحسن…. شتان بين الكاذب والصديق….. كيد يوسف لإخوته بإذن الله أعطى فرصة لأبيه أن يتصرف بالعدل معهم جميعا بعد أن أسره حبه ليوسف والقلق عليه من قبل…… والله غالب على أمره: يفعل ما يشاء بعلمه وحكمته ولطفه، جعلهم يقولون (ونحفظ أخانا)، بعد أن قالوا (ليوسف وأخيه) من قبل (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا) (يوسف-65)،….. كما ناداهم يعقوب عليه السلام ب (بنى) ونقل إليهم شعوره بالخوف عليهم جميعا من الحسد بعد أن كان خوفه وحزنه منصب فقط على يوسف من كيدهم له (يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ)…… لم يشعر إخوة يوسف بقلق أبيهم وحبه لهم من قبل لأن قلقه على يوسف المجتبى من الله والذى سوف يكون إمتدادا وسببا فى أن يتم الله نعمته على آل يعقوب جميعا غلب شعوره كأب،
وهو النبى الذى يملأه حب الناس جميعا فما بالك ببنيه!!! لكنه خاف على يوسف فقط من الذئب ولم يخف على باقى بنيه من نفس الذئب!!!! وإن علم بكيدهم، لذلك أراد أن يوصل لنفوس بنيه هذه المرة أنه يحبهم ويقلق عليهم جميعا (إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) (يوسف-67) وكانت النتيجة أنهم بعدما تمنوا من قبل موت يوسف أو ذهابه بلا عودة ليفوزوا بقلب ووجه أبيهم، أنهم طلبوا من العزيز أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم (أخو يوسف)، أرادوا أن يفدوه وينقذوه، فقد بدأت الشفقة تدخل قلوبهم (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف-78)….. ثم بدأوا يعترفوا بما فعلوا بيوسف من قبل، وكانت بداية التوبة الحقيقية وهو الشعور بالندم (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (يوسف-80)…. تلتها مرحلة كسر كبر النفس العاصية (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ) (يوسف-88)….. ثم مرحلة الإعتراف بالخطأ (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (يويف-91)، وجاءت المغفرة (قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ) (يوسف-92) …. بطلبهم إياها (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف-98,97)…….

أقول والله أعلم: أن أكثرهم سعادة فى مشهد لم الشمل الأخير هو يعقوب عليه السلام نفسه!!! فقد أتم الله نعمته على آله جميعا بعد أن نزغ الشيطان بين أبنائه (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة-133)، فقد أدى رسالته على أكمل وجه ولكن بعد الكثير من الأخطاء والتى لولا مشيئة الله لهم جميعا بالرحمة ما تمت ولا رحموا ولكنه سبحانه (غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ)……… ثم يوسف عليه السلام الذى رأى لطف الله وحكمتة حاضرة معه وظاهرة، يراها ويفهمها ويشعر بها (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف-101)…وأقول والله أعلم: أن صبر يعقوب كان صبرا جميلا، فيه الرضا ولكن فيه الحزن والقلق………. أما صبر يوسف كان صبر إحسان (تقوى وصبر)، كان صبرا على الصبر، كان رضا بالصبر دون شغف أو لهفة أو حزن ولكن ثبات وعمل، مع تأدية رسالته دون يأس أو نقص. فيوسف مع الإبتلاء آتاه الله حكما وعلما، وتعلم تأويل الأحاديث. دعا صاحبيه فى السجن إلى عبادة الله الواحد الأحد، فكر وتدبر كيف يخرج من سجنه، بدأ يعطى من علمه بمجرد أن أتقنه، كان حفيظا أمينا فى تأدية عمله على الخزائن، أحسن لأخوته، وكاد لهم بإذن الله كيدا جعلهم يتوبوا ويعودوا إلى الله جميعا، فهو محسن صديق….. 

اللهم صل وسلم وبارك على الحبيب الأمين، رحمة الله للخلق أجمعين والنور الهادي إلى الصراط المستقيم…..

طارق حنفي

Leave A Reply