صوت الشعب المصرى تنفرد بنشر رواية الكاتب الدكتور وليد اسامة خليل – احببت يهودية

0 200

رواية
أحببت يهودية

وليد اسامة خليل
مقدمة

الحب عبارة عن كلمة واحدة فقط, احيانا تتخلله نقاط هامة تتسرب اليه فتجعله يلمع كنجمة لا تموت, أو تهبط به الى القاع حيث يقاوم بضراوة للصعود الى القمة, وبكلى الحالتين فالحب هو الحب.
الفصل الاول
……………..
نقاط الصداقة

( جميعنا نعود في النهاية الى ادم وحواء)
توجه نحو مقهى”Belgravia” في شارع ” Belgrave” الانجليزي, شدته رائحة القهوة وعراقة المكان, جلس في مقعده المفضل على الجانب الايسر من باب المقهى الذي تحيط به الزهور من كل جانب وعلى يمينه لوحه ذات الوان مبهجة ل Hamlet and Juliet رسمها الفنان N.H.J Baird وعلى يساره تغرد العصافير وتعانق بعضها بعضا وكأنها تعلن عن ميلاد حب جديد. أمسك بقلمه ليبدأ كتابة روايته الجديدة.
كانت النادلة ” سيِتا ” مبتسمة طوال الوقت بعد قسوة الامطار وإشراقة الشمس الجميلة , في زاوية القهوة التي تطل على الشارع المزدحم اتخذ مكانه المعتاد , خلفه يقبع جميع انواع القهوة (أسبرسو , ماكياتو , قهوة لاتية , …الخ), رمقته ” سيِتا ” بنظرتها المليئة بالثقة وقدمت له بعد دقائق “موكا” مع لبن مبخر يعلوها طبقة خفيفة من الكريمة المخفوقة ومزينة ببودرة الشوكولاتة , على الرصيف المقابل تناثرت الكراسي الجميلة المصنوعة من الخيزران متوسطة طاولات بأعلاها غطاء ملون بشعار القهوة.
اخرج قلمه الرصاص الذي يفضله في الكتابة وبدأ يكتب احداث الفصل الاول لروايته الجديدة بعد ان عاد من ملهمته حديقة الهايد بارك, انه يشعر بأنه مبتدأ امام كل رواية جديدة , كما لو كان يكتب لأول مرة , لقد مرت فترة طويلة لم يستطع ان يكتب خلالها اي كلمة عن الحب , كان الالم يحبسه وكأنه لا يخص سواه.
ان جميع رواياته مرتبطة بالحب وقد فقده منذ مدة , حيث يصعب على عقله معرفة من منهما سبق الاخر في الرحيل , الحب ام الكتابة.
أتى Anthony” “ من بعيد بشعره الاشقر وعيونه الزرقاء وسحب كرسيا من امامه وجلس معه , وبدأ حديثه مع صديقه الكاتب الفلسطيني ” معين” :
– الى متى ؟؟
– ارجوك لا تفتح هذا الموضوع مرة اخرى.
– كل كاتب في هذا العالم بحاجة الى قصة حب تجعله يبدع في الكتابة , وأنا سأساعدك لكي تخرج من هذه المحنة التي وضعتها في عقلك ولا تزال تسيطر عليك الى الان .
– ماذا ؟؟
– غدا موعدك في الثامنة مساءا في مطعم “Clos Maggiore” مع أمرآة اخترتها عن طريق مكتب خاص للمواعدة.
– لن أذهب.
– لقد أعطيت هذا المكتب جميع المعلومات التي تحبها وتفضلها في النساء وخرجت هذه المرأة المناسبة لك من بين آلاف.
– لا وألف لا , أنا لا اقتنع بمواعدة عمياء دون معرفة مسبقة.
– هذا هو الحل المناسب لك لكي تخرج من هذا الانعزال , انا اعلم بأنك ستكون محرجا بعض الشيء بعد فترة طويلة من الابتعاد عن النساء , وربما لا تحدث أي شرارة بينكما , لذلك ستعرفون بعضكما البعض عن طريق العلامات فقط , فهي ستلبس قلادة خضراء وأنت ستلبس قميصا أخضر بحيث اذا لم يتم الاعجاب بينكما يذهب كل منكما في طريقه دون أي معلومات اضافية اخرى.
– من الافضل ان لا أعرف أي شيء عنها من الان لاني لن أذهب.
– ستذهب , ولكن هذب لحيتك التي اصبحت كلحية “Givara”.
– لماذا من بين جميع الاصدقاء في العالم , يكون لي صديق انجليزي مجنون مثلك , لماذا ؟!!
– لان الله قدر لنا ان تكون طفولتنا في نفس الحي ونتخرج من نفس الجامعة ونبقى اصدقاء حتى الان والى الممات.
دق هاتف Anthony” “ وكانت زوجته تطمئن على ان “معين” سيذهب الى الموعد غدا , ورد عليها Anthony” “ وبصوت عال تأكيدا على خطته التي يريد بها خروج صديقه من حالة الكآبة التي اصابته بمقتل:
– بالطبع سيذهب , سأحضر حالا لاصطحاب الفتيات من المدرسة.
غادره وهو يودعه بكلمات مقتضبة ويؤكد على موعده بالغد وان يخبره بالتفصيل عما سيحدث معه .
نظر اليه “معين ” وهو يغادر , هو واثق بأنه يمتلك صديق حقيقي , صديق يفرح اذا احتاج اليه و يسرع لخدمته دون مقابل , فنحن بالنهاية لا نحتاج الى أشخاص يتعاملون معنا بذكاء العقول , ولكن ما نحتاجه أشخاص يتعاملون معنا “بصفاء القلوب , وصديقه “Anthony” يعطي ولا ينتظر أن يأخذ , مثل الشمس تظلنا بنورها ودفئها و طاقتها دون مقابل حتى نهاية الحياة.
رجع الى دفتره وعاد الى كتابة روايته الجديدة , بكل أسف يظن أغلب القراء بأن الكاتب يعيش من اجل الكتابة فقط , بينما هو يعاني مثلهم من مشاكل الحياة التي تنغص عليه تفكيره , ويعاني دائما من صعوبة ايجاد الفكرة الاساسية لروايته ,
وبينما هو في وحي الكتابة , اتاه صوت فتيات يحيطوه بإعجاب , توقفت خواطره لدقائق والتفت اليهم بعد ان تعرقل فكره العفوي ومشاعره المتدفقة.
قالت إحداهما :
– الكاتب المشهور والذائع الصيت “معين ” في هذه القهوة , يا لها من صدفة سعيدة.
انتفض عن كرسيه , وبدا ينظر اليهم كأنهم حلقات من زهرات الكرز تتناثر من حوله , رأى ألوان الزهور بشبابها الفتان مزخرفة باللون الزهري والأبيض , وكأنها تعيش في جذوره وتتفتح من اسطح مشاعره الذابلة.
كان كفزاعة الحقول , مرعبة للآخرين ولكنها من الداخل مليئة بالقش الهش , وذلك بسبب خجله الشديد مع الشهرة , فهو نادرا ما يتكلم او يراسل معجبيه , سكت ولم يتكلم ليرضي غروره المبطن بالإطراء.
ابتدروه بجملة من الاسئلة مليئة بالإعجاب والانبهار , تدل على متابعتهم المستمرة لكل رواياته .
ارتفعت معنوياته قليلا , وأحس نفسه كنمر كهل يبحث عن فريسته الأخيرة , كان معروفا ومقروءا لدي الملايين ولكن كان وجهه نكرة , وفجأة وضع ناشر كتبه صوره على رواياته وعلى مواقع الانترنت وتنبأ له بشهرة صورية , كان على درجة من القوة والتأكد لنجاح مبتغاه .
قال للناشر : اي سخف ان يعجب بي القراء بعد ان تعديت الاربعينات بمراحل عديدة , فانا رجل غريب عليهم وقادم من ماض معتمد على الذكريات الجميلة , وموضوع داخل ساعة رملية تعمل على الاحاسيس الجميلة المحتبسة في صدري.
وتحققت نبوءة الناشر وأصبح وجهه رمزا اعلاميا مميزا , اصبح مثل الفنان الجورجي Pirosmanashvili” “Niko الذي حقق شهرة بعد ان مات من الجوع , وصارت صورته تزين العملة الورقية لبلاده بكونه كنزا وطنيا.
ماذا يريد الان من الشهرة وعذابها بعد ان توفيت زوجته التي كانت تبني معه الرواية حجرة بحجرة وتحاول الغوص معه الى افكاره الشائكة لتجعلها تعلو الى الفضاء النقي.
ادهشه تفكيره بالموت يوميا , وكأنه شيء خبره مسبقا , ازاح الافكار المأساوية من عقله قليلا وتكلم مع هؤلاء الفتيات قائلا:
– لم اتوقع من الجيل الجديد ان يفهم كل الطاقات الذابلة والمتراخية في أعماقي , وان يحس بالمفردات والتعابير التي تناولتها في رواياتي.
اصبح يحاورهم كشاب يافع مثلهم , وكأصدقاء قدامى دخلوا معه في لعبة السطور والصفحات.
جاوب على جميع اسئلتهم ثم أضاف:
– لم اكن كاتبا بارعا , بل انسان محظوظ لاني خلقت في عصر الكتاب , كنت معجبا بملحمة “جلجامش” وقضاياها الانسانية المركزية ، كمشكلة الموت والخلود ، والصراع بين الحياة والموت وقد انتقلت أثر هذه الملحمة في جميع روايتي , اني انصحكم بان لا تركضوا وراء الكلمات الهابطة اللاهثة التي تحيط بكم , وان تقرؤوا قراءة تحليلية تعرفون فيها صفات البطل الحقيقية بعيدا عن الركام الذي ينتشر في الصحف والمجلات الرخيصة.
قالت أكبرهم:
– لقد عشت مع ابطال رواياتك وتكلمت معهم وحزنت لحزنهم وفرحت لفرحهم , بل صاروا أشبه بكتلة من المشاعر المتحجرة في عقلي وقلبي , ولكن لماذا نسيت جيل الشباب في رواياتك وركزت على احداث عصرك فقط ؟؟ ألا يعني ان نتساوى مع زمنكم وحياتكم !! اما زلت تؤمن ان عصرنا قد أنتهى منه الحب !! وان حياة الحب في زمنكم هي الأجمل.
رد عليها قائلا:
– لقد خطفني الماضي ببساطته ونقاء مشاعره, فانهيار علاقات الحب في عصركم الحالي, لم يكن بسبب مشاعر ذبلت , ولا بسبب خيانة , بل لخلاف تجاويف قلوبكم.
– ماذا تقصد؟
– أعذريني , لم تعد الفتاة وديعة في عصركم , أو انثى بمعنى أصح ,أختفى قلبها المحمل بشذى الازهار وطردت عطورها الساحرة , واتجهت الى تحدي الرجل.
– هل تريدها ان تسكن في سجن اضلاعه مدى الحياة؟
– لا , لم اقل ذلك , ولكنها نسيت أن احساسها بالضيق والكآبة الذي يصيبها كل يوم كان بسبب فقدانها لعنصر الحب النقي , لم تعد تهز اغصان الاشجار لحبيبها ولم تعد تحرص على ان تجعل اوراق العشق تتساقط من حوله.
– الحرية لا تساوم حتى ولو كان ثمنها الحب, لم نعد جواري نخدم مولانا الرجل.
ابتسم لها قائلا:
– وهل أظهار الحب علنا يعتبر عيبا او قبحا , الان اغلب الفتيات اذا وقعن في الحب , يكبتون ثورة العشق التي بداخلهم لحبيبهم , ثم يتجاوزون هذه المرحلة الى قصة حب روتينية مملة خالية من المشاعر والعبارات الصادقة.
– لم نعد نرغب في أن يسيطر علينا أي مخلوق , وحتى لو تم ذلك فمن المستحيل ايجاد الرجل المثالي في هذا الزمن.
– يجب أن تعلمي انه كلما عاندتي قدرك وأفكارك المرتبطة بأنوثتك , فانه لن يعود مكان امن للحب ولا للحياة ولا للفرح في قلبك , سيذهب الامن والأمان , ومعهما ما تبقى منك.
– شكرا لك , سأقرأ باهتمام كل حرف كتبته وأحلل كل شخصية وضعتها في رواياتك , لم نتوقع ان تكون سخيا معنا بأفكارك , أنه امر رائع ان نراك , هل تسمح لنا بأخذ توقيعك ؟!
احس بامتنان شديد لجيل يملك طموح لا حدود له , وفي نفس الوقت اصبح عمليا ومنهكا من متطلبات الحياة اليومية , وفاقدا لأساسها وعامودها الثابت على الارض ألا وهي الرومانسية.
وقع على اوراقهم البيضاء الشاهدة على أفكارهم الشبابية متمنيا لهم كل التوفيق.
لقد بان جهده وانعزاله عن العالم وسفره المتواصل في السابق من اجل ايجاد فكرة لرواياته , كانت احلام اليقظة الكثيفة التي تحف بعقله الان تتحول الى اسراب من النحل الدؤوب الذي يبحث عن الافكار الملونة في حياته للاستفادة منها في أخراج عسل قريحته , احس بالرضا وبأن رواياته انصفته.
بعد هذه المحادثة , ولد بداخله حماس شديد في عضلات يده وكأنه اخذ جرعة من دواء منشط , كانت متعته مضاعفة , كأنها تفريغ لقلمه الرصاص الذي يستوجب حتما تفريغ اخر لمشاعره , بدأ يكتب صورا من داخل عقله تحتوي على سيرته الذاتية التي اصبحت من غبار النسيان والتي اثارت امواجا من الحنين لشبابه والاستيقاظ من عز نومه ليكتب عن احلام البسطاء والمهمشين والحالمين بحياة افضل.
لم يبق من السيجارة التي بيده سوى عقبها , كان قد تعهد لزوجته الراحلة ان لا تلمس يده سيجارة بعد اليوم , ولكنه لم يستطع أن يكون الزوج المثالي لها , لقد غدرت به الحياة , لقد توقع أن يموت قبل زوجته بسنين عديدة بسبب الضغوطات والمشاكل العديدة التي واجهها في حياته , ولكن كان حاجز المثابرة الذي بداخله يوقفه ويوقظه ويطلب منه أن يكافح ويخرج من أي مشكلة تواجهه كشخص لديه الثقة والقدرة والإمكانيات الشخصية التي تتطلبها الحياة , ولكنه الان يدخل في مرحلة من الاحباط والملل تتطلب منه الرحيل عن هذا العالم وأن لا يعود اليه مرة أخرى.
طلب من ” سيتا” الفاتورة , وسألها كعادته عن احوالها وعن خطيبها , ردت عليه ” سيتا” بأخر المستجدات في حياتها وهي سعيدة بهذه الصداقة التي استمرت بينهم لسنوات عديدة , وتعلم علم اليقين بأن الصداقة لا تنحاز الى جنس أو لون أو دين فهي هندوسية وهو مسلم , و كأن ادم وحواء قد انجبوهم قبل ثوان قليلة بقلوب خالية من العنصرية والتعصب الديني .
الفصل الثاني
……………..
نقاط الخوف

تقولين أنك تخافين الحب ! لماذا تخافينه؟ أتخافين نور الشمس؟ اتخافين مد البحر؟ اتخافين طلوع الفجر؟ اتخافين مجيء الربيع؟ لماذا يا ترى تخافين الحب؟
(من رسائل الورد المهداة إلى الشاعرة “مي زيادة” من الشاعر “جبران خليل جبران”)

عاد الى شقته ,أحس بوحدة قاتلة تحيط به , وجد على بابه قميصا أخضر وكرتا فوقه , فتح الكرت الذي كان بخط صديقه “Anthony” وقراءه:
( ليتني أملك الفرح لأهديته لك , لكنني أملك فقط الدعاء لك بالسعادة حيثما كنت , كانت صداقتنا على مر السنين صداقة لوجهين لعملة واحدة , ارجو ان تقبل هذه الهدية البسيطة وتذهب الى الموعد غدا)
تذكر طفولته برفقة “Anthony” وكيف كان يتعرض لمضايقات كثيرة من الطلبة لكونه اسمر البشرة وعربي وكان“Anthony” هو الذي يدافع عنه ويحميه , أصبح صديقا وأخا له , وكان الاثنين يبوحان بكل اسرارهما لبعضهما البعض بمعنى أن صداقتهم لم ولن تنتهي حتى بعد زواجهم وانشغالهم بأمور الحياة , هكذا هي الصداقة شجرة صلبة تمر بجميع الفصول وتبقى صامدة .
قرر الخوض في تجربة المواعدة العمياء من اجل التسلية فقط والخروج من حالة الاكتئاب الشديد التي لاحت بالأفق , وأيضا حتى تساعده هذه التجربة في صياغة روايته الجديدة التي تتحدث عن أسرار الحب.
—-
حلق ذقنه ولمع جزمته , وأخرج بنطلونا من القطن لونه بني مناسبا لهذا القميص الأخضر , وكان يضحك بسره متوقعا ردة فعل المرأة ذات القلادة الخضراء عندما تشاهده , حيث كان متوقعا ان ترحل فورا وبدون عودة , وذلك فقط من خلال مشاهدتها للمحات وجهه الجادة والحزينة.
أتى قبل الموعد المرتقب بنصف ساعة ودخل الى المطعم المزين بالأشجار الجميلة الخضراء في اعلاه والمدفأة الحجرية في وسطه وجلس في اول طاولة تطل على باب المطعم , ثم طلب قهوته المفضلة , وبدأ يراقب النساء كلا على حدة , هل من المعقول ان تكون فتاته هذه الشقراء الطويلة , لا انها هذه السمراء الممتلئة , لا…لا… انها هذه الفتاة المبتسمة ذات الشفايف المغطاة بلون الفراولة الفاقع , كان الانتظار ممتعا ومليئا بالترقب , ولكن ما نهاية هذا الانتظار , أن النفس سئمت من هذا الانتظار , ولكن ليس لديه أي حيلة سوي انتظار هذا المخلوق الانثوي الذي أصبح يداعب خياله , لقد أصبح قلبه قاحلا والأشجار يبست والأزهار ذبلت والأنهار جفت , هل من المعقول أن يأتي المطر ليسقي روحه المعذبة ويغذي عواطفه وإحساسه المفقود ؟؟ لقد تاقت نفسه للمشاعر الرقيقة التي فقدها , ما أتعس اللحظة و الحياة إن أضعناها دون وجود الحب.
وفجأة , جاء صوت من خلفه , تصادف انه لامرأة ملامحها عربية تطلب قهوة ومهما حاولت ان تخفي لغتها الاصلية , فحروفها تبحث عن الحياة وتشبه حروفه , كانت تجلس على طرف الكرسي مضطربة وتلبس قلادة لونها أخضر , انها تشكل لوحة ثلاثية الابعاد تتحرك اطرافها في روعة المكان , كانت بطلة روايته تتجمع امامه بملامحها المنمقة في لحظة واحدة لتحلق في خياله الى غيوم السماء الصافية , بالطبع لقد اتت قبله وانتظرته ليبدأ الحديث معها , ولكنه كان ينظر الى الباب الامامي للمطعم ولم ينظر خلفه , أحيانا تكون السعادة قريبة جدا الينا ولكن أعيننا تضع الحواجز لتجعلها بعيدة.
بهر بما رآه , وسحرته عيونها المكحلة , كانت تملك انف دقيق , نافر , كفرس جموح لا تروضه الفرسان , عيناها هادئتان وتبحثان عن شيء ما لا يزال بعيدا عن ناظريها , استمر يتابعها دون ان ينطق بكلمة.
لم يستطع أن يذهب الى طاولتها , وأصبحت تعابير وجهه تفضحه , كما لو انه عاد مرة أخرى الى سن المراهقة , مرت عشرة دقائق يحاور نفسه ويناقشها بصمت , ولكن كثرة الافكار تبعث على تشتت العقل وهو يريد ان يمسك بباقة الامل من اجل هذه المرأة التي ارجعت جزءا من مساحات الحب الفارغة الى عقله.
رأت عيناه وهي تنظر اليها بشوق ولهفة لمحادثتها , ولكنه أزاحهما بسرعة الى لوحة معلقة في المطعم لسفينة قديمة ترفع اشرعة العشاق وتبحر نحو الحياة حيث الانهار العسلية والسمك المتوهج بالدفء والألفة.
تضايقت من نظراته المتصلة , كان يحنو عليها احيانا بوجهه المحتفظ بوسامته ويقسو عليها احيانا بشاربه الكث الذي تراكمت عليه هموم السنين.
أحست بالخوف من تجربة العشق فنهضت على غفلة , وأدارت ظهرها وخرجت.
جرى خلفها وبجراءة الشباب قال لها :
– كيف تخرجي دون ان اعرف قصتك ؟!
– اي قصة , لقد اتعبتني من صمتك وتجمدت روحي من نظراتك واختلاف افكارك.
تلعثم بالكلام وأعجبته جراءتها فقال لها:
– هكذا هي الحياة , لابد من وجود اشخاص نختلف معهم ويختلفون معنا , ان اصابع اليد الواحدة لا تتساوى .
– ولماذا تبحث عن الاختلاف في الأفكار ان ابواب الجنة مشرعة للجميع , ولكن المشكلة هي ان البعض يذهب بأفكاره الى النار.
شعر بعشق مباغت هبط عليه , ابتسم لها وطلب أن يجلس معها على طاولتها.
وافقت باستحياء , وران عليهما صمت من صدمه وجود شخص ما في حياته لم يتوقع ان يكون موجودا , اصبحت الشمس لا تدخل طاولتهم إلا تلصصا وترسم عليها ورود تحيط بنهر “التايمز ” وتمتد معه بألفة بينة.
كانت في نهاية العقد الرابع من العمر , لها عينان تبثان الجنون لناظريها , شفتان ناعمتين وسحنة سمراء , قال لها بانبهار واضح على انفعالاته وعواطفه:
– الحياة لا تضيع هذه الفرصة السانحة لكلينا , كلميني عن نفسك , أغرقيني في تفاصيلك ودعيني اعوم في عقلك.
– امرأة في زحمة الحياة ضائعة بعمل متواصل, أرملة, ترفض أي علاقة حب من اجل الضعف البشري, ولن تسمح لنفسها بالتغلب عليها.
اشعل سيجارة , وراح يتأمل دخانها المتصاعد على وجهها , كان مستغربا من التناقض الموجود في شخصيتها فهي ترفض أي علاقة حب وبنفس الوقت اتت للبحث عن علاقة جديدة , لابد انها امرأة نرجسية تستطيع ان تفعل ما تريد بسبب جمالها الفتان الذي يغفر لها هذه الزلات.
كانت بانتظار هذه الاستراحة المليئة بالأفكار والإثارة لتكمل معه الحديث من جديد قائلة:
– لا تستعجل وتأخذ الامور بظواهرها , ولا تحاول ان تعرف المزيد لان هذا سيوقعنا في المشاكل , انا وأنت موجودان والزمان بيننا.
– هل هناك من يولد بلا مشاعر , دعينا ندخل في عمق التجربة ونشرب اكسير الحياة.
– ماذا تقصد ؟؟
– بعد أن مهدت الظروف لنا هذا التعارف…أسمي ” معين ملحة ” كاتب فلسطيني في زمن اصبحت القراءة تعتبر الاعجوبة الثامنة من عجائب الدنيا , ارجو ان اخذ رقمك قبل ان أموت فضولا ولا اجد من يحمل نعشي.
تذكرت هذا الكاتب فورا وشهرته المدوية , وأحست بتوتر شامل ومستمر يحيط بها , وتوقعت تهديدا وخطرا قد يحدث نتيجة التحدث معه فقط , وصاحبها خوف غامض وأسباب شعورية مكبوتة ومخزونة في عقلها الباطن, جاوبته قائلة:
– أسمي “مريم” ولن اخبرك من اين اتيت والى اين سأرحل , وسأدعك تعرف المزيد عني من خلال الظروف التي من الممكن ان تقربنا او تبعدنا الى الابد .
توقفت قليلا عن الحديث, وفكرت لماذا نرمي فشلنا على الظروف, اللعنة على الظروف, و أصابها نوع من أنواع التحدي لنفسها وعناد خلق معها منذ الطفولة فأكملت حديثها قائلة:
– هذا رقمي ايها الفيلسوف الممزوج بخيال الكاتب.
أحس بأنها زادت فضوله بكلامها , وكضربة سيف سحرية أنكمش في مقعده , ادرك برؤية كاشفة أن هناك قوة روحية عظيمة ستكون قاسما مشتركا بينهما مدى الحياة.
غاظها صمته مرة أخرى بعد ان اخذ رقمها , وعيناه ترنوان اليها بفضول , كانت عيناه السوداوان تظهران قوته و تزيدان من غموضه وتشعان ببريق سحري تدل على نقاء روحه وقلبه , اعجبها حضوره المسالم المرهف المطعم بأخلاق الفرسان.
خرجت من المطعم دون ان تستمر بحديثها معه , ارادت ان تجعل من غرورها قصة يرويها للآخرين.
ادار وجهه عنها , اصابته نوبة من الذهول , وأراد ان يموه بمشاعره المتشحة بالألم لبعدها السريع عنه , ولكن اصابه انفصام كاتب , ذكره بالعبقري “ “John Forbes الذي كان مصابا بانفصام شخصية ومع ذلك وضع نظرية “التوازن المشهورة ” والتي اصبحت حديث الناس في جميع انحاء العالم , أنه الان في مرحلة من عدم التوازن , يريد ان يدعها ترحل , وفي نفس الوقت يريد أن يجري خلفها , وبالنهاية قرر ان يكلمها هاتفيا ليجعل جميع هذه الاصوات المجتمعة في عقله المصاب حاليا بمرض الفصام أن تتوحد بشوق وجنون لتعرف عنها الكثير.
اخرج سجائره مرة اخرى فتصاعد دخان ابيض امتزج بأفكاره وإحساسه بذكاء امرأة عرفت منذ اللحظة الاولى بأنه انسان متلهف لمعرفتها ويتمنى قربها , والرجل بصفة عامة يخاف المرأة الجميلة والذكية في الوقت نفسه لأنها تملك سلاحين وهو لا يستطيع ان يبارز إلا بسلاح واحد فقط ألا وهو كلامه المطعم بالعشق.
حضر الجرسون ووضع قطعة من الجاتوة المخلوطة بالتوفي على طاولته , فوجد رجلا على وجهه ابتسامة فرح غامضة دلت على سمو روحه وتحليقها نحو افق يصنف بالأمل والأمنية , احداهما حاضر والأخر غائب.
الفصل الثالث
……………..
نقاط الاختلاف

(إذا أحبت المرأة رجلا بصدق, تجاهلت كل الاختلافات بينهما لكي تبدأ معه حياتها الخاصة بها )

هل تتمسك به ؟!! أنها تعيش في ارض جافة لا تنبت بها زهور الياسمين , ارض قاحلة دفنت بها أحلامها , هل تستطيع ان تعود الى الحياة مرة اخرى ؟؟!! هل تستطيع ان تحب بمعنى أصح ؟؟!! هل تستطيع ان تنتصر على الاختلاف الذي بينهم ؟!!
هو متعلم , مفكر , متطلع ومن فلسطين , وهي امرأة يهودية وسيدة اعمال من الطراز الاول ولا تفكر إلا بزيادة رأسمالها , كيف تبني روحها وأفكارها معه , كيف تنظر الى الكون البعيد وهي خارجة منه الى نقطة البداية.
ارادت لأمنيات الحلم بان تعود معه , لكن لم يبقى لها وقت او قدرة للتفكير في غير العمل.
من اول لقاء لهما استطاع ان يفكك عقدة الحب , حررها من الابواب الصدئة واخفى حزنها القديم الذي غلف بعتمة السنين.
هل سيلاحظ الاضافات السنية التي كسبتها خلال سنوات عمرها , هل سينظر الى هذه اللوحة السريالية المليئة بالخوف من معرفة جنسيتها فيعرقلها الظلام وتنكسر عندها حد الفراغ.
وضعت سموفينة لـ “Felix Werder” الالماني الذي تميز ببراعة الحركة الرابعة الراقصة ” سوناتا” في موسيقاه , وتخيلت صورة الفارس الوسيم الذي يطير بها الى النجوم ويقول لها : ( كم ستكون الحياة القادمة جميلة وأنت معي , سأكون عاشقاً لك بمفردات مختلفة ، بفكرة ، بحلم ، بغد متفاءل دائماً).
هي مستعدة مرة اخرى ان تعيد تجربة الزواج وتدخل مع اهلها في كل المآزق والحفر والجبال الوعرة اذا وجدت الحبيب المناسب لها.
أنها تريد ملامسة مباشرة للعشق ليس فيها أي تزييف أو تلفيق ، لقد تعلمت الكثير من واقعها ولكن إعادة اكتشاف العالم المحيط بها بمفرداته ، ونقاط الضعف والقوة الموجودة بداخل روحها وذاتها وكل تكويناتها ، لابد له من وجود أحداث محددة وواضحة المعالم تتبلور لتصبح مخزن السعادة الجديد لعمرها الباقي , وسيكون الماضي ثرثرة اوهام ليس لها أي داع.

****
مشدودا بمركزية تواجد العشق في ارجاء الارض وإرادته القوية في عودة الحب الى قلبه اتصل عليها وقال:
– لم استطع ان امنع نفسي من امنيات الحلم بعد ان عرفت ذاتي العارية , القاسية , والوحيدة , كان الاختلاط والخلط بين الاكتشاف والتعلق في مولود جديد على ارض الواقع وبين الخيال هو الذي وضعني في مربع من الامنيات للتحدث معك.
في قلبها , كان رملا تمنته بحرا , وكان بدرا تمنته قمرا , لماذا التناقض الذي تعيشه في حياتها الان !! أن الحياة منحتها الحرية والقيد في وقت واحد , ولكن المهم لها الان هو ان تكون “مريم ” السعيدة في معظم الأوقات , المجنونة بعشق الحبيب , المرأة العاملة التي تشارك في المحافل العالمية , ولكنها في نهاية المطاف تحتاج الى رجل تشعر به في عز القيظ لتبوح له عن حبها , في اغاني “ “Chava Alberstein وخصوصا في اغنية ( الزهرة الارجوانية) التي تعشقها والتي تعبر عنها الان وخصوصا في هذه اللحظة الممزوجة بمشاعر الحزن والفرح المتجمعة في عقلها والتي تكاد ان تنفجر في أي وقت.
قالت له:
– ها انا , استمع لي لكي امارس تناقضاتي , واكتشف واختار رجلا أملكه لنفسي , بنفسي ولنفسي.
اشعل كلامها اشارة الحب بلهيبها الاحمر في عقله فقال لها:
– كيف استقبل الصيف من دون ان اودع شتاء العمر , اريد ان ارى فصل الشتاء والصيف في فصل واحد وارتاح من لقاء الحبيب تحت المطر .
– افففف, خيالك قاس , انزل قليلا من برجك العاجي وابحث عن كل فصل على حدة لكي تعيش مع الاخرين.
– هل تحضرين معي غدا لمسرحية “Sometimes I Laugh Like My Sister” ؟
– ما هذا الجنون!! لقد قرأت انها مسرحية من شخصية واحدة فقط ولا يوجد غير بطلة مع مقعد وكوب ماء.
– انها تروي قصتها بروح مرحة وقوة وسحر لا مثيل لها لتثير داخل نفوس المتفرجين مشاعرهم الحقيقية , ربما ستواجهين صعوبة في بداية الامر حتى تعرفي افكار الممثلة , ولكن سيبدو لك المكان والجمهور كبيرا جدا بروحه الغامضة , ولابد لك ان تتفاعلي معها لمعرفة العبرة من المسرحية من بدايتها الى نهايتها.
– اذا شاهدتها , وستشاهدها مرة اخرى من أجلي.
– نعم , لكي استمتع بحرية المغامرة مع امرأة تسللت الى حياتي لتفتح لي نفقا بين روحها وروحي وتذوبني كما يذوب قنديل الماء على الرمال.
ابتسمت في سرها وتمعنت بوجهه الجميل , وجيشان لسانه المليء بالعشق المتدفق بلا حدود , والذي قاست به قوة مشاعره من خلال حديثه معها , ولكنها استغربت من عدم سؤاله الى الان عن جنسيتها , انها يظن بأنها عربية الاصل بسبب ملامحها العربية وعيونها الكبيرة المكحلة .
قال لها:
– غدا موعدنا !!
– OK (العبارة السحرية والمختصرة والمفيدة لكل الامور العاطفية).
****

كانت الشمس لا تزال تختفي خلف الغيوم, وحرارة الجو مثلت خير دليل على قدوم فصل جديد للعشاق.
في الحي الذي تعيش فيه “Knightsbridge” والذي تمتلك فيه عدة شقق في Brompton Road , كان المكان يمتلئ بأنواع المقاهي والمطاعم الراقية , عن كثب كان هناك اعمال ترميم لمكتبة صغيرة جميلة على رفوفها كتب إيطالية مغطاة بالنايلون , كانت تحب قراءتها ايام المراهقة لما تحتويه من مشاعر غزل وحب جنوني.
” لندن” مدينة ساحرة , مريحة , جميلة , ولكن اصبح المكان الذي تعيش فيه الان مزدحما , وكل الناس يعرفون خبايا الاخرين عن طريق الصحافة والانترنت , لا يوجد اسرار ولا خصوصية في الحب واختفى عنصر الغموض الذي يتطلبه الحب.
جعلت موظفيها يجمعون عن “معين” تفاصيل دقيقة عن حياته , وتوابل كثيرة تداولتها الصحف عنه , تمنت بداخلها ان تشاركهم في كل حكاية جديدة حصلوا عليها , ولكنها كعادتها صارمة جدا بما يتعلق مع علاقتها مع موظفيها .
في تلك الاثناء , كانت تجلس في المقعد الخلفي من سيارتها ” الرولز رويس” تجري حديثا مع السائق , وكان يجيبها من دواعي اللباقة والأدب وربة عمله الفائقة الثراء بسلسلة من كلمة ” نعم” و ” لا” كيفما يكون طلبها بعد ان يدرس نظرتها في المرآة الارتدادية.
اجتازت السيارة جسر” “ Westminster وانزلها السائق بالقرب من المحطة, نزل معها للتأكد من متابعتها حتى تنزل المحطة بسلام , هذه هي اوامرها التي أصدرتها له , وذلك لتبدو كامرأة اقل من عادية مع حبيبها , متناسية انها تتصدر الجرائد الاوربية بكونها من أشهر سيدات الأعمال , وفي حال شاهدها “معين” على احدى المجلات سيكون هناك توتر في علاقتها معه , ولكنها تعلم بان جل وقته للكتابة ونادرا ما يقرا المجلات والصحف الاقتصادية , وحتى ولو حدثت هذه الصدفة الغريبة فيجب ان يعرف في النهاية من تكون.
انها تعلم بان هذا الوقت هو فترة الذروة وخروج الموظفين من العمل وستكون عربات المترو مزدحمة , ولكنها تريد أن تجري مثل باقي البشر , تقطع التذكرة , تنظر الى الاخرين وهم يتزاحمون ورائحة الحرية وعدم التقيد بالرسميات تلوح بينهم.
يا له من كاتب غريب يريد مقابلتها في محطة للتوجه الى مسرحية بدلا من التوجه الى مكان هادئ ورومانسي , ومع ذلك فهي مبهورة بكل كلمة يقولها وخصوصا ثقافته الفنية التي من النادر وجودها في زمنا الحاضر.
كانت هناك بعض الرسوم البدائية تلف مدخل المحطة معبرة عن احلام الشباب , تمنت هي أيضا ان ترسم صورة قلب ميت وعليه سهم مضيء يخترقه ويعيد اليه الحياة , التجأت الى كرسي فارغ بمقعده المصنوع من القطيفة , بدا القطار تحركه , وعلى الجهة المقابلة كان شريط من الاعلانات يدور بسرعة في أعينها , اتعبها الانزلاق المتواصل بين كل محطة , وأصبحت تراقب القامات المديدة والقصيرة من حولها.
كانت هناك فتاة يانعة تجلس في حضن شاب يضحك معها ويبادلها القبل من وقت الى آخر , وعيونهما تكاد تأكل عيون بعضهم البعض , والأيادي تتلامس بنية التقارب الجسدي , كلامهما ينساب كضحكهما , ادركت مدى اشتياقها الى التعرق الخفيف من مغازلة رجل , الى نشوة حب تثمر عن غموض لا يعرف احد كيف يولد.
الحب لغز معقد لها , هذا ما احسته وهي في طريقها اليه , تكاد ان تشعر بأنفاسه الحارة الملتهبة تخرج لها عبر زجاج القطار.
وجدته واقفا خارج المحطة , تراه بطرف عينها , يبهرها قلقه بانتظارها , يحرك بها مشاعر الانثى التي طالما اخرستها ولم تسمعها.
افاقت من احلامها الوردية , تفحصت معالمه مرة أخرى , وكأنها تراه لأول مرة , رجل متوسط الطول , عيونه هي الوسامة في شخصيته , فمه يتحرك باستمرار معبرا عن حكايا الحب , انفه حاد يتنفس فيه مشاعرها , تفوح منه رائحة الرجولة المختلطة بالشهامة.
سلم عليها بلهفة , وطلب منها السير قليلا معا حتى يصلا الى المسرح القريب , في بداية الطريق انتظرته ليتكلم معها فلم يفعل , انتظرت ان يزيح عينيه الثاقبتين عن أعينها ولكنه ازداد إصرارا , ظل الوضع على ما هو عليه , ان هذه اللعبة جديدة عليها , في الماضي كان الذين تتعرف عليهم ينهشون بأنيابهم جثتها , ولكن لم تعطهم المجال أبدا , اما مع ” معين ” فهي تشعر بشخص يسكن ألامها ويجعلها مخلوقة انثوية مرة اخرى أنها تحس بالأمان معه في الفكر و التفكير و التعبير , وتستمد منه الحياة وأكثر من الحياة.
اخترقتها نار الهيام كومضة برق وأصبح رؤية وجهه كسهم من نار , ثمة عائق متين بينهما وهي تعي تماما ما هو.
انتهت المسرحية وكانت طوال الوقت تفكر فيه , حتى انها لم تنتبه لكل معاني المسرحية عندما سألها عن رأيها فيها.
لقد استسلمت لهوى جارف أعمى بصيرتها , وجعلها تفقد سداد السلوك , هل انساقت لغريزة العشق , أو غريزة الحب المفقود التي تريده لاوعيا منها للتشبث بالحياة قدر المستطاع.
ارجعها الى المحطة وقال لها اثناء الطريق :
– كل امور الهوى مرتبطة بكلمة أحبك لان هناك خلطة من اللاوعي الفكري والانجذاب المستمر تتحكم بنا عندما نحب , ويكون تأثيرها قويا على روح وجسد العاشق بحيث من الممكن ان تقتله بسحرها أو تضعه في جنة لا يخرج منها طوال حياته , وهذا هو مضمون المسرحية , وألان حدثيني عن مضمونك وعرفيني بنفسك , قولي لي مالا اعرفه عنك , ما في بداخلك في هذه اللحظة ولا يعرفه احد سواي.
– لا يوجد شيء مميز في حياتي , لدي الكثير من المعارف والأصدقاء , لم اشعر في يوم بأنني بحاجة الى شخص مقرب او عاشق , انا راضية بحياتي ومقتنعة بها.
– انت غير صادقة مع نفسك , فكل امرأة مثل كرة الثلج تبدأ صغيرة على الحب , وعندما تتحول الى عاشقة تصبح انهيار ثلجي يصيب الجميع دون استثناء.
– لا ادري اشعر بان حياتي كاملة , ولا تحتاج الى مشاعر اضافية وتفاصيل ومنغصات وألوان رمادية تحيك بها.
– ان الالوان ارتبطت لديك بعقدة الهروب من الحب , وكأنك لا تريدين مواجهة العشق وتحاولين الهروب منه.
كانت تعلم ان لا احد يفوز في متاهة كاتب , إلا من ادمن هدم المعابد والمكتبات , ولكن اغرتها متاهته والتصقت بنمنماتهما , فصارت تعشقها.
قالت له وهي غير صادقة بتعبيرها:
– دعنا لا نتورط بمشاعر العقل والقلب , فهي عبارة عن زهرة يتعبها انتظار لمسة الحبيب.
أهداها احدى كتبه الذي كان بعنوان ” عندما يطرق الحب بابها” وكان موقعا بكلمة واحدة فقط منه ( متى).
اطرقت قليلا ولم تفهم معنى هذه الكلمة الوحيدة , كانت أفكارها الان متشابكة ومشوشة , فقد وصلت الى المحطة وكانت فرصتها للإفصاح عن حقيقتها دون ان تدخل معه في علاقة جدية , فربما يستمع منها ويتقبل الأمر وربما لا فينتهي هذا المشروع منذ بدايته قبل ان يتطور.
كان ينظر اليها بعد ان مارس طبيعته المعهودة في تأمل الأشخاص , انها لا تشبه احدا ولا تنطبق عليها قوانين العصر المليء بالبرود العاطفي.
قال برجاء رجل يود ان تبقى معشوقته معه طوال الوقت:
– هل تودين الذهاب معي الى مقهاي المفضل لاحتساء فنجان قهوة ؟!
ابتسمت وقالت له :
– كم اود الذهاب معك لكي ارتب افكاري وأستطيع مواصلة الحديث معك , وذلك بعد ان اصبحت قابضا على عقلي بكلامك العذب , ولكن اعذرني فالنوم يسحبني بقوة ويطلب مني هدنة اليوم , ولكن تأكد بأن غدا سأذهب معك الى هذا المقهى ونصنع بداخله عشائنا ونضع فيه شموعنا النرجسية , ونمنع أي شخص من دخوله إلا انا وأنت.
– اذن غدا , ويا له من يوم طويل وحزين , سيصبح عقلي كالقرود الثلاثة ( لا تسمع , لا ترى , لا تتكلم) حتى تحضرين , سيصبح انتظارك غيوم على عيني وصواعق على اذني حتى تأتين.
(متى) لقد فهمت كلمة الإهداء , التي تعني متى يطرق الحب قلبها , ليته يعلم بأنه تسلل الى داخل قلبها وتربع في قمته , انه الرجل الاوحد في حياتها الذي فهم العشق بأسلوب التجاذب الحسي وادخل العنصر الصاخب لطرد قسوة الايام من حياتها.

الفصل الرابع
……………..
نقاط الماضي

(العشق كقطرة ماء نقي تسقط في قلب المحبين فتجعله نهرا عذبا)

ذهب ” معين” الى دكان والده الذي يملكه في Edgeware Road وبدأ والده يتحدث معه عن الضرائب الباهظة التي وردت عليه اليوم , وعن عدم توفر بعض البضائع الهامة التي يفضلها اهل الخليج بصفة خاصة في محله من تمر وألبان وهيل مميز , ثم يتحدث معه عن الاحداث السياسية في فلسطين وعن الحياة بكافة تفاصيلها , أحاديث عائلية حميمة ترفعه الى السماء , ولكن على فجأة تهبط به الى اقاصي الاراضي القاحلة بعد ان يعلم بأن اخاه ” عزت” أتعب والده بتصرفاته المرهقة وبأنه نائم طوال الوقت بسبب سهراته الحمراء في نوادي لندن , ووعده بان يتكلم معه في اقرب فرصة ممكنة لتقويم سلوكه .
أحس بأن الله اعطاه اجمل نعمة في الارض ألا وهي وجود والده بجانبه , وحبه الصادق الخالي من اي مصلحة , كان بداخله سعادة روحية ابدية لسماع صوت والده , كان يتمنى من الله دائما أن يكون له طفل يحمل ملامح وجهه وسحر شخصيته والمرح في روحه.
عاد ” معين” الى شقته وكلم Anthony كعادته اليومية واخبره بأخر المستجدات مع “مريم” , وعندما انتهى من محادثته , لم يستطع Anthony أن يخبره بالحقيقة كاملة , كان سعيدا بان “معين” أصبح ينبض قلبه بهمسات الحب التي ذهبت به الى كواكب مجهولة لم يطأها من قبل , أنه يعيش الان اكتشاف جديد في عالم الحب والعشق , تعوضه عن خياله الحزين في ساعات السهاد والأرق والألم , فلما يقض على آماله.
عاد الى الكنبة التي يفضلها في غرفة المعيشة واستلقى عليها وأشعل لمبة صغيرة بجانبه , وكان بيده صديقه الوفي وانيسه المريح كتابه الذي يتحدث عن واقع الأدب الروسي حتى منتصف القرن العشرين , كان معجبا بالأبعاد الفكرية والفلسفية والتربوية في الرواية الروسية ، ولكنه بعد فترة احس بأن كتابه يتحول الى صفحات بيضاء , ويطلب منه أن يفرغ ما في جعبته من أفكار فلسفية عن الحب على سطوره , ولكنه يعلم أن فلسفة الحب تميل لدراسة النجوم بينما تتجاهل كليا الارض التي نعيش فيها , لذلك رفض أن يعيش في عدم اليقين , وقال لكتابه “ليكن ذلك متفقا عليه ” انا اقرا واقرأ فقط لأجل واقع ملموس .
اراد أن يضع توقيعه على الصفحة البيضاء من كتابه , فقام على التو ليتصل على “مريم” ولكن لم يستسغ الشعور بالعجز أمامها , واحسب انها لا تستحقه فهي تتقبل ذاتها وصريحة في مستوى حواسها الخمسة على عكسه هو يسمح للماضي والحاضر ان يحرق لهيبه البارد ويتبعثر في طرقات الذاكرة والوقت , يجب ان يمضي في الحياة وإلا غاب عنه بحثه الذاتي لبداية صفحة جديدة من حياته.
البعد يعطي نعمة التفكير الصافي , وهذا ما اكتشفه عند غياب ” مريم ” عنه , فهو الان يقرا في روحها ويلمح نظراتها السارحة التي تخفي قصة غامضة لا يعرفها إلا من دخل الى اغوارها.
عاد مرة أخرى الى صفحاته البيضاء مرغما ومقهورا وذليلا , وأراد ان يكمل فقط بداية روايته الجديدة , وتذكر مقولة “فان غوغ” ( يجب أن نحس اولا بما نريد التعبير عنه) , لذلك كتب عن “مريم ” وكأنها معه تحدق فيه , ولكن بعد فترة تجاوزت افكاره الكتابة واشتهاها كامرأة , فظهرت في خياله تطلب منه التوقف.
****
كانت القهوة خالية , وكأنها معبد هادئ مخصص لراحة النفس والقلب ومعد خصيصا للقائهما , جلس سارحا يفكر بما يحب , أنه يحب كتب الفلسفة , الكتب الدينية ودراسة الظواهر الروحية (spiritualistic phenomena)، والساي ثيتا (Psi Theta) , يحب الجلوس على البحر وحيدا يفكر بما يحتويه من كنوز وهموم في نفس الوقت , ولكن منذ ان ماتت زوجته لم يتمعن في معاني الحياة كالسابق , كان باردا كفحم في مخزن مهجور , ثم على فجأة اشتعل الفحم والمخزن دفعة واحدة عندما دخلت “مريم” الى حياته.
اتت كالفراش الملون , كالنحلة الجميلة التي تريد نشر عسلها للآخرين , تصافحا بحرارة وود وكأنهما عاشقين التقيا بعد غياب طويل , جلسا متواجهين , منتبهين الى عمق المشاعر التي حدثت بينهما , وبحذر خفي تأمل كلا منهما ملامح الاخر وكأنهما يشاهدانها لأول مرة , كانوا ينقبون عن مشاعر التشابه في ارواحهم وتجاربهم المشتركة.
كانت هي كشجره “دم الأخوين ” التي يستخرج منها الأدوية فهي العلاج لتشققات الوحدة ووقف النزيف الداخلي للحزن الذي بداخله.
بدا يتحدث معها عن حياته وكأنه صفحة بيضاء تحاول ان تمتلئ بعبق الماضي , تحدث عن ” فلسطين” وعن عشقه لترابها وتراثها , تكلم معها عن زوجته الراحلة وعن طفولته , أخبرها بحنينه لتلك الايام التي كانت بدون قيود ولا هموم , والمغلفة بالبراءة وطهارة القلب , ولكنها اليوم أصبحت كومة من الاوهام المغلفة بالقلق والحزن.
طلبت منه التحدث أكثر عن زوجته وحياته معها , وكأنها تدرس ماضيا تريد ان تعيش بداخله , أشعل سيجارة ونفث دخانها كما لو انه يطلق دفعة من البخار المسموم المحبوس في دمائه , ثم قال لها:
– لابد أنك تعلمين بساطة السؤال وصعوبة الإجابة عليه , انها ذكريات غافية في اعماقي (هل دمعت عينيه امامها ؟ أم ان دخان سيجارته هو السبب) , كيف اصف الحزن المنبعث من قلبي عليها , لقد شاركتني الفقر ورحلة البحث عن كاتب مبتدئ , ثم وضعت كل مجهودها لتجعل حياتي اقل قسوة ونجحت في ذلك وأطلقت النور الذي بداخلي فنجحنا معا , وبدت حياتنا كتاريخ مشترك يوحدنا في اعماقنا ويزرع بداخلنا بحر حنون وفجر مشرق.
نظرت “مريم” اليه وشهقت معتذرة منه قائلة:
– كم انا قليلة الذوق لأذكرك بماض ارجع الحزن الى قلبك.
أبتسم “معين ” لها , وقال :
– بل انا الذي حولت إجابتي الى مأساة.
حاولت ان تغير الموضوع فسألته عن روايته الجديدة لأنها تعلم بان الكاتب يغلق أي موضوع ورائه وينساه اذا سأله أي شخص عن روايته التي يعتبرها فردا مهما من افراد عائلته.
استدرك سؤالها قائلا :
– لم انته منها بعد ولا ازال في بداية الفصل الاول.
– عن ماذا تتحدث ؟ ؟
– عن قصة حب كاتب لامرأة غامضة , لقد عدلت ملامح بطلة الرواية بالأمس.
سألته باستغراب :
– كيف استطعت تعديلها بهذه السرعة ؟
– لان مواصفات المرأة التي احبها الكاتب والتي كانت ضائعة في مخيلتي وجدتها أمامي وخاطبتها بقلبي وعقلي دون أي عناء.
– وما هي مواصفاتها؟
قال لها ضاحكا :
– يتعذب الكاتب في وصفها , ولا ابالغ اذا قلت لك انها سيدة التشويق بكل ما فيه من غموض , بصراحة لم اتمكن من تركها دقيقة واحدة إلا وكتبت عنها وعن جمالها وأسلوبها الفتان.
انها تعلم بأنه يتحدث عنها , لم يسعها الدنيا من الرضا في اختياره بطلة لروايته الجديدة , أي ترف كبير هذا تدفق عليها الآن , كانت تتمايل بنشوة داخل جسدها , كانت لذة هذه اللحظات طاغية , سألته وهي تبتسم :
– الم تضع لها عنوانا ؟
بدون تردد قال لها:
– لا , ولكني بانتظار ان تستمر الاحداث بالتصاعد وتصنع بطلتها اسم الرواية .
سألته مرة اخرى وبأسلوب اخر متصنعة الغباء :
– ومن هي هذه المرأة التي استطاعت ان تثير بداخلك مشاعر الحب من جديد ؟
قال بلحظات الخبث القليلة التي يملكها:
– هي امرأة جعلتني أغوص الى اعماق قلبي واستخرج منه درر وجواهر لا تقدر بثمن كلما شاهدتها , انها قادرة على ان تقتل من امامها , بنظرة من أعينها.
كانت منتشية بسماع هذا المديح التي اعتبرته غزلا صريحا بها , ومن النوع الراقي جدا والبعيد عن خدش حيائها.
اتت فتاة الى طاولتهم وطلبت منه أن يوقع على احدى رواياته , فوقع لها وابتسم .
غاص قلبها , وأحست بان ثقته الزائدة في معاملة المعجبين تفوح في الهواء , وتصيبها بضيق وتسمم في قلبها , كان شيء اكبر من الغيرة , شيء اشبه بالذعر من ان يمضي العمر دون ان يرشها الحظ بحفنة من الحب الصادق , هل هناك انكشارية نسائية متخصصة في علاقات الحب ؟ ومن هو مسؤول عنها ؟و كيف أنشئت ؟
قالت وهي ترمقه ببرود : أعتقد أن الحب أخلاص , من المحزن حقا ان نرى الاخرين وهم يدخلون في مرحلة جنون العظمة ويفرشون ذيلهم كطاووس منتفخين بغرورهم كلما شاهدوا أي فتاة .
تأمل التهاب غضبها وغيرتها , كان يشعر بسعادة من يشرب النبيذ ولا يصيبه الصداع والتعاسة والقرف.
قدم لها بعض السكر لقهوتها , وأعطاها لها ليلامس يدها , كان منتشيا بهذه الملامسة وسعيدا بها , انه يمتلئ بلذة خفية لا يعرفها إلا خبراء الحب.
– لقد كنت مخلصا لزوجتي حتى مماتها لحبي الشديد لها , وأعظم شيء في الوجود ان يتابع الانسان حياته وقلبه مخلص للشجرة التي اظلت عليه بحبها , ويشم رائحة الوفاء من خلال أوراقها وجذورها.
– هل هذا معقول ؟!! هل لم تتعرف على أي فتاة بعد وفاة زوجتك الى الان ؟؟!! في روايتك الاخيرة جعلت البطل ” دون جوان” متحرك , ولم يكن لديه أي شعور عاطفي , بل رغبة مقززة تبعث عن الشفقة بسبب حماسه واقتناعها ان كل نساء العالم سيقعن في شباكه.
– الكتابة شيء والواقع شيء اخر.
– كل الكتاب يقولون هذا الكلام , ثم كيف تكتب عن قصة حب وأنت لم تغرم بامرأة ؟
– هل نسيت زوجتي !! أنها توشوشني كل يوم , أسمع صدى صوتها في قلبي , واسبح في خلجانه , و أراقص أمواجه , وفي بعض الاحيان اكره كتاباتي التي تكتب عن امرأة اخرى غيرها , وأتمنى زوالها , واحسب انها تستنفذ من اعصابي ونظري وقواي , كثور خار يتلقى طعنات قاتلة لإنهاء طريق الآلام والعذاب الذي يعيشه , ولكن في نهاية المطاف عاد الحب مرة أخرى يتسلل الى عقلي ويطلب منه الهدوء والتمعن , وتقبل البدء من جديد مع الاحتفاظ بالذكريات السابقة الجميلة.
رفعت رأسها الى السقف , ثمة مروحة خفيفة تدور ببطء , حاولت ان تدور معها بعقلها لتنسى كلامه عن زوجته , ولكنها فقدت السيطرة على المواصلة , وأحست بعجز شديد ينسل الى رأسها كثيفا وباردا , وكأنها في كهف ازلي أصابه زلزال فحطم معالمه النادرة والمخفية منذ زمن.
مدت يدها الى الاعلى لتنادي النادلة على فجأة , انها تريد التمرد على حبه القديم الذي يغوص في دمائه الى الان , لقد سلب هذا الحب جزءا من سعادتها في هذه اللحظة ودفن انوثتها , كانت تغار عليه حتى من الهواء , وتتمنى من العالم ان يخصصوا لهما قطعة من ارض المريخ لا يوجد بها أي مخلوق إلا هي وهو فقط.
شاهد توتر أعصابها , واخبرها بأنه يريد منها الذهاب معه الى والده للتعرف عليه .
خفت حدة غضبها , وشعرت بسعادة وشوق للتعرف على عائلته , وأخرجت النقود لتدفع الفاتورة وقالت له :
– هيا بنا لنذهب الى والدك.
رفض ان تدفع اي شيء وبغضب واضح على وجهه حذرها ان تفعل ذلك في المرات المقبلة , أنه رجل شرقي ويرفض ان تكون المرأة هي من تصرف عليه.
——————————–
أستقبلهما والد “معين” بيداه المتجعدتان وعصاه الطويلة , كان كل شيء فيه عجوزا خلا عينيه ، وكان لونهما مثل لون البحر ، كانتا مبتهجتين باسلتين.
قدم لها عصيرا باردا وأجلسها على كرسي داخل محله المليء بالأجبان والألبان , والبهارات العربية , وقام وعمل لها عدة سندويشات من الزعتر الفلسطيني الطازج واللبنة الاردنية , انها الذ سندويشات ذاقتها في حياتها وأفضل من أي مطعم عالمي ذهبت اليه.
نظر والد “معين” الى عينيها واخبرها بصراحته المعهودة قصته قائلا :
– في حرب 1948 م والتي نسميها النكبة , هاجرنا من القدس بعد أن اجبرنا على الرحيل من اراضينا من قبل الإسرائيليون , وعندما وصلنا الى ” لندن” لم يجد أبي سوى عدد قليل من أهالي بلدنا ، ومعظمهم كانوا رجالاً عزابا ممن كانوا يدرسون أو يعملون في بريطانيا , وفتح ابي هذا الدكان الخاص بالبضائع العربية وخصوصا الفلسطينية , وسرعان ما أصبحت الجالية العربية جميعها تأتي الى هذا المحل لاشتياقها للأكل العربي , لقد عملت في هذا المحل منذ الصغر , وكنت أشاهد أمي وهي تبكي يوميا بسبب هجرتنا القسرية إلى بريطانيا , ولم تكن تذيع سراً حين تعبر عن استيائها من وجودنا هنا , كانت في القدس لا تكون وحيدة ولو للحظة واحدة , هناك تجد عائلتها حولها طوال الوقت , فقدت كل ما من شأنه أن يجعل الحياة بالنسبة إليها سعيدة ، وتستحق العناء , لقد تمزق النسيج الحريري الذي يغطيها ولم تستطع أن تتعايش أبدا مع تلك الخسارة ، أو أن تقبل بها , وتوفيت بعد سنتين فقط من رحيلنا من القدس , رافضة لكل مظاهر الحياة في إنكلترا , وتوفي والدي بعدها بسنوات وهو يتمنى ان يشم رائحة التراب الفلسطيني وبقلبه حسرة وآلم شديد .
أضاف ” معين ” على قصة والده الظروف التي مروا عليها فيما بعد قائلا:
– تزوج أبي من امرأة انجليزية هي والدتي والتي توفيت منذ عشرة سنين , وكنت احس بغربة بداخلي فهل انا عربي ام انجليزي أم هجيناً من هذا وذاك ، بينما هيمن الجانب الإنكليزي عليّ بسهولة بسبب الحياة هنا , ولكن كان الجانب العربي مسيطرا على عقلي , بحيث لم أكن قادرا على نسيان الطرد من وطني , والظلم الذي لحق بعائلتي بسبب الاستيطان الجائر , فلو أن إسرائيل ظلت مسالمة ضمن الحدود التي احتلتها عام 1948 م ولم تشن الاعتداءات على جيرانها ، ولو أنها حاولت بدلاً من ذلك خلق صداقات معهم ، لربما كنا نحن المنفيين الذين نزحوا بعيدا جدا عن أرضهم , توقفنا ولو قليلا عن كرهم.
لقد فزعت عصافير الشارع جميعها وانطلقت الى الطبيعة وهي تصرخ بدلا من تغريدها المميز , وذلك عندما شاهدها وهي تقوم من مكانها على غفلة.
قالت له بوجه مليء بالانفعالات :
– اسفة تأخر الوقت يجب ان اعود.
ودعها وطلب مقابلتها في قهوتهم في نفس المكان وفي نفس الوقت.
تحجر صوتها وبحزن واضح قالت :
– سأحاول.
( فكر قليلا مع نفسه وقال ما الذي حدث لها ؟؟ انه لم يقل كلمة واحدة تغضبها , ولكن المرأة هي المرأة بهرمونها المرتفع والمنخفض بنفس الوقت , وعاطفتها التي تهرب منها كل يوم في زاوية من زوايا الحياة)
****
لأول مرة تعود الى شقتها الفخمة والتي يحلم بها الكثير , ولكنها تجدها مظلمة جدا والأسوأ من ذلك ان لوحة ” مارك شاجال ” المعلقة على جدرانها اصابتها بطابع شديد من الحزن وذلك بعد ان كانت كل الشخوص في هذه اللوحة كتل حالمة لها , ومنصهرة بالتفاؤل وتنقل لها الشعور بالبهجة والتفاؤل وذلك بسبب الألوان الحية والزاهية في هذه اللوحة.
لقد سكن العالم فجأة , انتفض جسدها ثم هدأ وسط اطباق الظلام في ليلة رطبة بلا قمر او نجوم , قاومت الرغبة في النوم لتفكر قليلا في كلامه وكلام والده الذي جلب الحزن الى عقلها , لقد ملت الدوران في دوائر مفرغة تفضي الى لا شيء , وكان احساسها بضرورة مواجهة هذا الحب والبدء بورقة بيضاء صافية ممزوجة بالتحدي , وأخباره بأنها يهودية تعيش في لندن منذ طفولتها ولم تفكر ولو للحظة بالعودة الى فلسطين , فهي حرة وهم أحرار بأراضيهم , وهي معه بأنه ليس لليهود الحق في استيطان فلسطين , بل عليهم أن يسعوا إلى كسب قلوب العرب والعيش معهم بسلام , فالله نفسه خلق كلا القلبين العربي واليهود من طين واحدة ولم يطلب منهم زرع الكره والعداوة والحقد فيما بينهم , أن نداء حكومتها من أجل الوطن القومي لليهود في فلسطين لا يستهويها كثيراً , فاليهود المولودون في بريطانيا بريطانيون بالدقة تماماً ولا يوجد أي عنصرية بحقهم , فلماذا لا يتشبهون بشعوب الأرض الأخرى ويتخذون وطنا لهم بذلك البلد الذي يولدون فيه ويسترزقون.
لقد عانوا من قبل من اضطهاد الشعوب لهم فلماذا يفعلون ذلك مع العرب , لماذا لا يتعظون من نهاية كل ديكتاتور كهتلر وغيره.
لقد كان لليهود دورهم الفعال في اغناء الادب والفن والموسيقى والمسرح والعلم والطب والزراعة في جميع انحاء العالم , فبالعزيمة يستطيع أي شخص يصل الى مبتغاه , وهذا ما فعلته هي في عملها ورفضت أن يتعالى عليها أي شخص لكونها يهودية واستقطبت انتباه الجميع واحترامهم بعملها الدؤوب والمثابر.
اتصلت صديقتها ” MIA ” عليها , كانت تعلم بان اتصالها لم يكن مصادفة بل محاصرة لئيمة منها لمعرفة اخر الاحداث.
كانت تتحدث معها بغزارة عن ” معين” و تخرج من عقلها كومة الاحاسيس الملقاة فيه.
فجأة قاطعتها وتقمصها الاحساس بالكارثة وقالت لها:
– هل أخبرتيه عن ماضيك ؟؟
احست بالاختناق وأصابها كومة من مشاعر الوهن والكآبة , كما لو ان ” MIA” مصرة على نفيها من الحياة و اشعارها بكل المقاييس والمعايير المتعارف عليها بان لا تدخل في معترك الحب مرة أخرى.
في هذه اللحظة , كانت الاشجار الخضراء الصغيرة التي تعشقها ذات زهور ذابلة وشجرة الياسمين بلا رائحة , وذهبت شجرة البرتقال بطعمها الحلو وبقيت شجرة الليمون بطعمها المر .
انها صورة يائسة لمحاولة حب صادق معرض للفشل , هي تعلم بأن الوقت قد حان لتخبره عن حياتها , ولكنها لا تريد لمراكب الأمل أن تغرق بها وترميها الى اعماق سوداء وكئيبة .
لقد انغمست في حياة شديدة الانانية , كانت كمن يركض جريا بأقصى سرعته , ولا يستمتع بمناظر الطبيعة المارقة من حوله , ستتوقف الان لتنظر من حولها وتتمعن بوجوه جديدة , وعلى رأسها ” معين”, الذي سيسكب من روحها غمائم علمه , فرحه , حزنه , رفضه , تسامحه , وأياديه البيضاء الموقعة على اوراق رواياته.
الفصل الخامس
……………..
نقاط الذكريات

(المرأة اذا احبت رجلا بإخلاص , فحبها لن ينزع من قلبها إلا بموتها أو بخيانته لها)

عاد اليها ماضيها بعد مكالمة ” MIA” لها , لقد مرت بتجارب ومواقف سلبية كثيرة , ولكنها ساعدتها في ان تصبح حياتها عبارة عن عناوين رئيسية دون الخوض في تفاصيلها.
تربت في بيت مرتبك , كان والدها لا يمارس سوى عملا واحدا (البحث عن المزيد من المال), ومع ذلك كانت تحبه بجنون , لم تتعلم أن يهتم بها اهلها , ولا ان يهتم بها الآخرين , وأفضى بها هذا التفكير الضيق الى قاع معتم .
وسط عالم المال المزيف بالمشاعر , كان زوجها الاول من اكبر الشخصيات في المجتمع , وتوج هذا الزواج لحظات متناثرة من الفرح الغامر لوالدها وإخوانها الذين اصبحوا يملكون الثروة والمنصب من خلالها.
اصبحت وظيفة زوجها الوحيدة هي ان تكون محظية له ولرغباته , ونسي معنى العشق وكلمات الحب التي تجعل أي امرأة تذوب في زوجها , ولكنها لم تملك إلا ان تستجيب له , وانكسر قلبها , كان يغيب عنها بالأسابيع ويعود بشهوة القطار المندفع في طريقه المرسوم.
كانت تعلم بأنه يخونها في سفراته الكثيرة , وتغاضت عما يفعله لان النور المتدلي بالارتباط به, والنظر صوب النجوم والثراء كان حلمها منذ الصغر.
مع الايام اصبحت لا تميز الالوان , وفقدت حبها لتفاصيل الاشياء , أصبحت تعمل في التجارة لكي تكتسب الخبرة والارتباط بالحياة بعد غيابه عنها بالشهور , كانعكاس اندفاعي لحجر صغير صامت يبحث عن صخرة ضخمة لينضم اليها ليصبح اقوى .
ليس شرطا ان من يملك مالا يكون تعيسا , ولكن زيادته هي التي تؤلم , وهي من اختارت ان تعيش في هذا العالم المزخرف بالثراء , ونسيان جذورها كامرأة لها مشاعرها.
اصبحت تسال نفسها طوال الوقت ” هل حياتي كاملة وجميلة “؟؟! هل وجب علي ان لا أنجب بناء على طلبه ؟! هل أستمر بلعب دور الزوجة السعيدة مع زوج خائن وبعيد عن الرومانسية مدى الحياة ؟!
ثم قررت الطلاق , لم يعد هناك ما يهمها , ارادت رجلا يعشقها ويهيم بها , ارادت عودة “قوس قزح ” وألوانه الى حياتها.
رفض في البداية طلبها ولكنه مع مرور الايام أصبح ينال غايته منها بلا دفء ولا عاطفة ولا مودة حتى قرف منها ومن عنادها.—-
تصالحت مع نفسها , واستعادت جزء من حريتها بعد ان طلقها , ولكن كان القفص في مكانه , نافذته مفتوحة , ولكن على جوانبه الغام شائكة.
كانت تعلم بأنها ستعيش بلقب زوجة فلان السابقة ذا المنصب المهم والخطير في مجتمعها وان الذي سيتقدم لها يجب ان يكون بنفس مستوى زوجها السابق بالمركز والثروة حتى لا يطمع بها .
بدأت من جديد , كيف يمكنها ان تقبل وضعا تكون فيه الخاسر الوحيد , لذلك قررت أن تصمت مرة اخرى عن زواج الحب لكي تعيش رفاهية المال , فرضخت بعد ذلك لزوج ثري وعجوز , سهل لها أمورها التجارية وتوفي بعد زواجهم بسنتين.
نظرت الى المرآة , لم تتحدث مع نفسها منذ زمن طويل , كأنها نسيت لغة الحب التي بداخل هذه النفس.
كل يوم تصحو وترى نفسها وحيدة , مقهورة , مكسورة الجناح فكيف تطير بهما الى سماء العشق , وهي لا تزال ترضع من مرارة الحب.
اين هي الان من عائلتها , لقد توفي والدها وتركها وحيدة , تعيش في ثراء خانق و مظلم, أنها بانتظار ان تبدأ رحلة الى المجهول , لا تعرف لها بداية او نهاية , ولا تعرف ما سيكون من امرها ان هي انتهت منها.

*****
عادت اليه كما تعود النبتة الصحراوية الى الحياة من زخات مطر خفيفة , أصبح يراها يوميا , ولكنه لا يشبع منها , وكأنها الماء النقي الذي لا يعيش بدونه , هل عندما يتقدم العمر بالإنسان يصبح همه أن يتمسك بمشاعره بقوة حتى لا تفر من أمامه ؟! ام أن مشاعره تسيطر عليه وتجعله نبعا صافيا يخرج ما في قلبه بدون أي اضافات مزيفة.
أن طريق الكتابة الذي اختاره في مشواره كطريق الحب ليس بالمعبد ابدا بل يتخلله حجارة من قلق وحيرة وترقب لمعرفة نهاية الدرب , هاهو يمشى بخطواته المليئة بالأمل الى مقعده بانتظارها , فكر بأنه لا يزال يعيش بهمومه , ويبحث عن علاج لقسوة الوحدة بعد وفاة زوجته , وربما تكون “مريم” هي العلاج الشافي له من رحلة الاعياء وأثار الضغوط النفسية المحيطة به بعد رحيلها.
كلما شاهد خياله على كاس القهوة أفتكر جزءا من ماضيه وأحس أن كل ركن في عقله يخبره كم هو مخذول ومحبط , اغمض عينيه , استمع لأغنية Can’t help falling in love with you لـ ألفيس بريسلي , حرك فيه الصوت اشجانا , وانفلتت صورا من حياته من ذاكرته , فقد بذل والده كل ما يملك من مال وجهد لكي يتخرج من ارقى الجامعات , واستطاع هو بعد تخرجه ان يكمل الدراسات العليا لتحسين عقله ولمعرفة روح العلاقات العامة للبشر , ولكنه لم يحب عمله الروتيني ابدا فهو طير حر مهيأ للكتابة فقط ولاشيء غيرها , وبعد فترة هرب من عمله واستقال وأصبحت الكتابة جل همه.
كانت العلاقات بين البشر في تدهور مستمر , كيف اصبحت القلوب تتصلب وتصبح اشد من الحجارة , فهو اصيب بالكثير من خيبة الامل في بعض الناس الذين تركوا انطباعا بصقيع الحياة , كان بداخله يتسول دفئا بشريا اصبح عملة نادرة في هذا الزمن.
كان زواجه تقليديا بكل ما تعنيه الكلمة , خطبة ثم زواج دون ادنى معرفة بالشخصية , ومع ذلك كان ناجحا لأنه كان قائم على تفاهم سحري بين روح وروح وقلب و قلب.
في “لندن” عاش مع زوجته الفلسطينية كل التقاليد الجميلة والمحافظة , أحبها وجعلها صديقة أكثر من زوجة تشاركه اهتماماته وهواياته وأحلامه وكذلك فشله وإحباطه , كانت محل ثقة ويمكن الاعتماد عليها في كل الامور , كان يتمنى أن يقضي معها كل حياته ولكن اتى هادم اللذات ومفرق الجماعات وخطفها منه.
لا تزال اثارها في قلبه الى الان , فستانها المطرز بالنقوش الفلسطينية الملونة , رحيق عطرها الذي ابى ان يموت في مخدتها , قميص نومها المعلق على علاقة داخل خزانتها , شنطتها الصغيرة وبها ذكريات خروجها الى الاسواق والى صديقاتها وأهلها , ترك كل شيء كما هو وكأنه في متحف للذكريات يتفرج من خلاله على نورها الوضاء , في أيام كثيرة كان يضم غطائها ويحضنه والأسى يسكن قلبه , وتظهر بداخله ظلمة وبرد يتبعها صقيع بارد كريه وتختفي الالوان , ويظهر سواد ما بعده سواد.
رشف الشاي , محاولا تدفئة قلبه الذي كان يوما عامرا بالعشق وأصبح مأوى ليتيم فقد الحنان على كبر.
شعر بان دفء الشمس الذي يحيط به هو جمرة مشتعلة لامرأة ظهرت حديثا في حياته , ترتعش في حضرته , ويكبح جماح الهوى والشوق أمامها , يجب ان يصارع نفسه للبوح لها بحبه , ويتغلب على عقله في مواجهة هذا الهوى العنيف .

****
حضرت أخيرا بجمالها المبهر ولون شفاهها المثير , جلست بجواره تفكر بكل حيل الانثى لاقتحام اسوار الرجولة المحصنة.
بدا يتكلم معها عن رواياته القديمة , هي تنصت اليه بعقل شارد وابتسامات تائهة , لقد وقعت أخيرا في حبه وكلما ابتعدت عنه شعرت بالعواصف تنهش قلبها , ثم تساءلت بغرور : هل هو مفتون بي ؟!!
احست أن من واجبها ان تنقد رواياته لكي تدفعه مرة اخرى الى العشق الخفي , لقد قرأتها جميعا وحفظت شخصياتها عن ظهر قلب لمحبتها الشديدة له , فقالت:
– لقد انبهرت بروايتك ( ربيع عربي مزدهر بالدماء) , حيث جعلت تركيز الاحداث على شخصية ” ثائر” ليقدم نضال شعب بأكمله , ولكن جعلته منذ اندلاع الثورة وحتى نهايتها , لا ينال أي نتائج ملموسة يستطيع من خلالها أن يقول أنه قد حقق أهدافه , لقد حطمت الآمال والأحلام التي نشدها الثوار.
فجأة , انقشعت غمامة من امام نظره , وبدت له رائعة وهي تشحذ اعصابه وأفكاره ليخوض معها معركة الحب , رد عليها بنبرة صوت كاتب عطوف ومفتون بقارئة يعشقها بجنون :
– في هذه الرواية ابتعدت عن قصص الحب والمثالية ، والتفت قليلا الى ثورات المجتمع والمشكلات السياسية الأخرى من خلال بطل بعينه يمثل الصدق والثقة وعودة معاني الاصالة العربية , ولكن أصابه الغرور بعد نجاح ثورته الغير متوقع وبدأ بالظهور على الفضائيات وصفحات الجرائد بمظهر القائد والبطل , وسيطر السياسيون القدامى ورجال الأعمال عليه واستغلوه لركوب الثوره , وفي النهاية وجد ثورته لم تأتي بنتائجها المتوقعة , بل وجد تدهورا واضحا في الاقتصاد والحياة والأخلاق , و في نهاية الرواية عاد مرة أخرى لبدء ثورة صادقة وخالية من المصلحة على نفسه وأفكاره وأخلاقه.
أحس بأنه لا يريد ان يمدح ابطال روايته اكثر من ذلك , وانه يغار منهم عليها , ثم سألها عن برجها ليخرج من عالمه , ويعود الى عالمها الجميل.
– غريبة لم اتوقع ان تقرا الابراج وان تقتنع بها … برجي هو “العذراء “.
– وهل انا كائن من عالم آخر !! انا اقرا كل ما يخطر ببالك من اجل المعرفة , وأفضل كل ما يعشقه الشباب لأتعلم منهم واستفيد من افكارهم في كتابة احداث رواياتي.
اخرج الجريدة التي امامه وقرا منها…
) يقول برجك يا “مريم” : لا تتأخر في استعمال كل ما قدر لك من جاذبية وجمال للتأثير على من تريد, وفي حال انك تصرفت بصمت مشاعرك فانك لن تتمكن من زلزلة الشخص الذي امامك).
ضحكت بدلال وقالت له :
– وأنت ايها الكاتب العظيم ما هو برجك , وما الذي يخبرك به اليوم ؟؟.
أجابها بدهاء:
– برجي هو ” الجدي ” وكما تعلمين فان برج “العذراء ” ينسجم جيدا مع “الجدي”…
) يقول برجي: منذ ان غادرت معشوقتك وأنت تحاول ان تلملم اشلائك , شيء غريب أصابك حالة من هدوء الحزن والصمت والكآبة , وسوف تستمر معك قبل ان تأخذ الحياة دورتها وتعود لرؤيتها مرة أخرى).
كان اسلوبه في العشق جميلا وملفتا بخداعه اللذيذ الذي تحول الى جزء من ملامح رجل عاشق , شرقي وكتوم , فهي تعلم بان موضوع الابراج من خياله الجميل , اصبحت الان سابحة في محيطه وهالكة ان لم تخبره بتفاصيل حياتها.
اخرج سيجارته التي كانت بطعم النعناع , ثم ضرب على جبهته متذكرا بأنه لم يقدم لها أي مشروب.
– ارجو ان تعذريني … ماذا تشربين؟
– ارغب ان اشرب “نيهونشو” .
– ما شكله , ما لونه , أهو بسيط , أم معقد , وهل يتطلب ان اذهب الى اخر الدنيا لإحضاره .
ابتسمت بشعاع على كلامه المضحك وقالت :
– أنه مشروب ياباني مكوناته الأرز الذي يرمز الى الارض العريقة والماء الذي يرمز الى الصفاء .
– هيا بنا, مع اني افضل قهوتي التي ترمز الى رائحة العشق في الاثير ؟؟
ابتسمت له وقالت :
– هيا أتبعني انه بالقرب من مقهانا , سوف اعزمك هذه المرة , ارجو ان تقبل هذه العزيمة من امرأة تعلقت برجل أعاد معنى الحياة الى قلبها .
لم يناقشها هذه المرة ووافق على طلبها , وكعادته في الامور المستعجلة التي تصيب عقل الكاتب بشحنات الرحيل , وضع اوراقه وكتبه مع النادلة “سيتا” التي اصبحت مع الايام مديرة لأعماله الصغيرة وتقدم خدماتها مجانا لعشقها الجنوني للكتب والكاتبين.
مشت بجانبه , الى حيث ارادت ان تأخذه , اسرعت قليلا ولكن المسافة التي بينهم بقيت ثابتة وكأن العشق جمعهم بخطى واحدة.
ما هذا المطعم الفخم ؟ لماذا لم يلاحظه من قبل ؟؟ كان جميع رواد المطعم بملابسهم الفخمة ينظرون اليهم , ثم أتى عدد من المضيفين الى “مريم ” و تبعوها كظلها ودلوها الى مكانها.
لقد كشفت كل شيء له الان , وأزالت ترسباتها الماضية , يجب ان يعرف من هي سيدة الاعمال ” مريم ” الثرية قبل ان يصبح مهزوما ومخدوعا بها .
جلست على الطاولة الكبيرة والتي تتسع لعشرة اشخاص والمحجوزة لها وله فقط , كانت انواع مختلفة من السوشي والساشيمي التي لم يرى مثلها من قبل متوزعة على جميع انحاء الطاولة.
هاهي الدهشة عادت له من جديد, بدا الشعور بالاختلاف يحيط به ويخنقه, وقوة خفية تطلب منه الابتعاد والخروج من هذا التزييف المؤلم لأعصابه.
كانت كفراشة منجذبة نحو النور وستحرق من معها لو وافقوا على الذهاب معها الى هذه الهاوية.
انها البداية فقط , هاهي جزيرته التي تحتوي على شاطئ ابيض صاف ورمل تتحول الى جزيرة مليئة بالحصى وتحوم حولها الغربان.
جاء النادل وقال لها :
– لقد أسعدتينا بحضورك , ماذا تطلبين الليلة؟
سالت ” معين” برقة مطعمة بالقلق ان كان يرغب بتجربة هذا الشراب .
اجابها بمزيج من الغيظ والانفعال : لا.
رجع صدى كلمة ” لا” قويا , وبعد ذلك فقدت كل قواها , وتهالكت على الكرسي.
حل صمت ثقيل بينهما , أخجلها صمته الذي أشعرها بتأنيب ضمير لإخفائها ثرائها الفاحش.
على فجأة قررت بان تعترف له بكل شيء, عن جنسيتها, وكيف امتلكت كل هذه الثروة.
الفصل السادس
……………..
نقاط المسامحة

( تصبغ المرأة شعرها لتخفي بياض الأيام ولكنها لا تستطيع صبغ حبها من شعاع رجل يحبها بصدق)

كانت تخبط بأرجلها في طرف الطاولة بحركة انفعالية واضحة , وتبذل مجهودا لخلق حوار مقنع بينهما , ثم هدأت قليلا وقالت:
– اريد ان أحكي عن حياتي , عن بدايتي الجديدة معك , عني أنا كإنسانة يهودية , و..
أوقفها عن الكلام وهو منفعل بوجهه الشديد الاحمرار قائلا:
– يهودية , وثرية , ماذا تخبئين ايضا عني ؟؟
ردت عليه والدموع تتراقص أطيافها داخل بؤبؤ عينيها وكأن دموعها لم تكن موجودة أصلا إلا عندما احبته بصدق :
– لأول مرة اتحدث عن قصتي النائمة في غبار الماضي , ولا اعرف كيف اجمع خيوطها , كنت امرأة تهتم بالوصولية الى غايتي واستفدت من زوجي الراحل بالمال والشهرة , اهديته شبابي وجسمي الذي ادخل السرور الى قلبه , والتعاسة والمال الى حياتي.
– لماذا وضعت حاجزا بيننا من قبل ولم تخبريني عن جنسيتك وعن حياتك الحقيقية بعد كل هذه اللقاءات؟
– خانتني الشجاعة , ولنقل كرامتي منعتني من البوح لك بأسرار ماضيها.
فتح اعينه بعد كانت مغمضة بالكوابيس التي دخلت عقله , كانت امانيه ومخاوفه تتجادل مع بعضها البعض في غفوة منه وتصبح وحيدة في مهب الريح , كيف لفلسطيني أن يفكر في يهودية ويحبها ، إلاَّ أن يكون مجنونا! ثم حتى ولو صدق بأن ما حدث حدث رغما عنهما , فكيف ينسى بأنها من سلالة اليهود الذي طردوهم من اراضيهم ؟ وكيف سيكون ردة فعل والده وأخوه على هذه العلاقة ؟؟ ولكنه المخطئ منذ البداية لأنه لم يسألها عن جنسيها لاعتقاده بأنها عربية بسبب اسمها , وقف والحزن ظاهر على وجهه وقال لها:
– هيا نعود الى قهوتنا ,لا اريد ان ابقى لثانية واحدة في هذا المكان.
عادا معا الى قهوتهم المزخرفة بتناقض العشاق , اتاها صوته متعبا وقال لها من غير حرج:
– كل ما حصل بشان جنسيتك لم يعكر روحي بل أنزلق كمادة مزعجة في عقلي وخرج منها سريعا دون ان يسمم قلبي , ولكن إخفائك لثرائك أصاب عشقي في مقتل , وكأن علاقتنا قائمة على مصلحة المال فقط.
رأت مدى المسامحة في صوته فقالت له :
– ارجوك لا اشعر الان بيدي , بنبضي , بحياتي , لقد اصبحت في عالم ” اللاشيء “, سامحني على ظني بك وإخفاء حقيقتي , ولكن الحياة ظلمتني وظلمتها.
اصبح ساهما , يحلق كطير العنقاء في عالم خيالي مزخرف بالويلات , يطير نحو المجهول الى ماض “الف ليلة وليلة ” ويرى بأم عينه عقاب “شهريار” لجميع النساء , بسبب خيانة زوجته له.
بعدها بثوان عاد من رحلته السحرية , ثم نظر الى عيونها ولم يرد عليها , فقالت له بصوت الانثى الناعم والذي يسحر الألباب وكأنها تعزف على قلبه نغما أو معزوفة موسيقية بإنشاد ملائكي :
– زدني من صمتك , فعروقي تحتمل المزيد من الدماء السوداء .
كما الصياد البارع امسك بمشاعرها , أصبحت تتأرجح في صنارته وقلبها مازال معلقا بخطافه وقال لها:
– ايتها الثرية , لم اعد اريد ان تكون علاقتنا عبارة عن مغامرة كاذبة , اريد الصدق في كل ما يدور من حولي.
كانت تصغي اليه دون كلام , كان السقف يدنو منها حتى يكاد يطبق على أنفاسها , أنوثتها الخجول تهمس بشوقٍ تحثه على معاودة الدنو اليها.
نظر الى وجهها الذابل المليء بنظرات حيرى تلفحها غلالة من الخجل , ووهن واضح يتسرب إلى عروقها النافرة , وقال لها:
– هل تستوعبين مدى السعادة في معرفة شخص لذاته فقط دون النظر الى صفاته الزائلة ؟ أقبلي بنفسك كما انت , مشكلتك هي الخوف من الصراحة.
أفتقرت الى الشجاعة بالرد عليه , والى بعد النظر في علاقتها معه, لماذا تشعر بالخوف الان؟!! , وكأنها المرة الاخيرة التي ستراه فيها , لقد احبت رجلا لا يريد منها مالا ولا مصلحة , فقط يريد حبها , ادركت الان كم تحبه , حين يصير الم الفراق لذة للعاشقين فهذا هو العذاب بعينه , في هذا الوقت ودت ان يحضنها , ويطير بها الى روحها المتعلقة بتعويذة على عتبة صدرها الموصد والذي فك سحره بكلماته.
عندما يكون الرجل العاشق في نبرات صوته التهديد والغضب ، نسمع في صوت المرأة العاشقة النعومة والرقة لتمتص هذا الشعاع الفاتك , فقالت له:
– سامحني ان كنت سببا في ازعاجك , سامحني ان تألم قلبك بسببي , ليس بيدي أن أنام ليلي وأرتاح وأنت غاضب علي , ارجو أن تعلم أن العالم قد أنزل الستار من أمامي , ليس بإمكاني أن أحرم عيوني من لقياك , ارجوك دعنا نلتقي غدا بقهوتنا ونتصافى بهدوء.
قال بلهجة اجتهد ان تكون صادقة وحاسمة :
– اراك حينما تكونين حرة وصادقة في عقلك وقلبك.
أصابها دوار خفيف عصف برأسها , أهو بسبب كلامه او الخيبة المتوقعة من هذه المصارحة , غريب هذا الرجل , تركها مع كلمات جديدة تفك الغازها لوحدها .
قالت بقناع اغريقي مزيف :
– كما تشاء.
غادرت المكان وهدها الاعياء من كلامه القاسي , كانت تجرجر ورائها حزنا هائلا يترك في فمها مرارة العلقم.
اتصلت على سائقها , وحضر بسيارتها امام القهوة متأملة في ان لا يكون هذا اللقاء الاخير بينهم وذلك بعد ان عرفت طاقته الخلاقة في معاقبة الحبيب , كيف احبته لهذه الدرجة وكيف ستعيش بدونه ؟؟!!
عادت الى شقتها , ورمت بنفسها فوق سريرها الموحش مصدومة , متوترة , ضائعة , بداخلها مزيجا مسمما بالأحاسيس وكتلة من الانفعالات التي من الممكن ان تنفجر في أي وقت , نامت وهي تردد باسمه همسا , تفكر بكل كلمة قالها , وكأنها ترنيمة حزينة تقفز بجنون داخل خلايا جسمها .
في الصباح الباكر تلقت اتصالا منه انقذها من الارتباك الاليم الذي عاشته طوال الليل , كانت تتأمل سماعة الهاتف وتتمنى ان يخرج منها كنسائم الصباح العذبة , ويجعل المسافة الشائكة التي حطمتها بالأمس متلاشية ,ثم يلمسها , يعانقها , تمتنع عنه في حياء ثم تستسلم لجموحه بالكامل , خيالات متلاحقة تهفو نحوه كزهور فواحة الرائحة , أنها بانتظار قوله لتصحو من احلامها الجميلة او أعظم كوابيسها في الحياة في حال انهى علاقته معها.
قال لها وبنبرة مليئة بالعتاب مستغربا من خذلان شوقه لها الذي كان طوال الليل يحثه على معاودة التقرب منها:
– اريد ان اراك بقلبي الذي وضع نظام عسكري مستبد بعدم السماح لأي مخلوق باختراقه دون اذن منه , ولكنه تراجع عن هذا القرار في مقابل صدق مشاعرك الذي رايته من خلال عيونك , فبعدك عني ليس له أي داع , وما يحصل لي فوق المستطاع.
سمعت صوته فتذكرت صفحة وجهه الجميلة , شعرات الشيب الخفيفة على اطراف سوالفه , قميصه الابيض القطني مع بنطلون الجينز , ولكن عقلها وقلبها سخرا منها , فصوته المليء بالعتاب لا يلمحان الى اي مبادرة غزلية , يا لجنس الرجال يرفضون الاعتراف ببداية جديدة , كانت فكرة رحيله عنها تعني الموت, وبحماس ذابل يخفي من خلفه لهفة وشوق , قالت له :
– وألان , ماذا ؟ اشتقت لكي تكون كاتبا كبيرا تعود الى زوايا العشق وتسكن فيه.
– انها فطرة الرجل الشرقي , جوع العشاق , النوم في العراء , الثورة , لا اريد ان اتذكر ما فعلت , انت امتدادي في الحب , ولا اريد ان ارى نفسي في مكان الكاتب الانجليزي “كريستوفر مارلو” الذي مات من اجل فاتورة.
– وهل انا فاتورة لعشقك؟
– نعم وأضخم فاتورة دفعتها في حياتي.
– ما معنى ان يكون كل شيء مستقر في حياتنا , كيف سينمو الحب في قلوبنا ان لم نسحق و نتألم , نموت ونحيا من جديد , ما معنى ان تكون غير قادر على الاحساس بي وبجوهري.
سكت قليلا وأرسل لها دفقات من الحب على شكل دفعات متواصلة من هوى العشاق انعشت الهواء الرطب الذي تعيش بداخله.
– انت حرة , حرة , انت لست الة لعمل الثياب الفخمة وبناء القصور , انت الماستي التي اريد ان تكون لي وحدي فقط.
– ها انت اخيرا يا كاتبي الرهيف تعود لي , يا من تمنيت , وهويت , وتنفست.
– أحبك.
اشرقت شمس نهار جديد في داخلها محملة بأشعة ذهبية مزخرفة , لقد اختصر مشاعر تجمدت منذ زمن , وتحت تأثير الصدمة , لم تصدق واقع هذه الكلمة عليها , وكأنها بذرات من السعادة الممزوجة بعبق الماضي الجميل تخرج من حلقه , لقد اتت اليها هذه الخلطة على طبق من ذهب مغطى بذرات الاوكسجين المنعشة , لم تعد تتنفس العشق إلا بوجوده , ستحبه الان بكل انانية المرأة , ستخلص له وتضحي من اجله الدهر كله.
قالت له بحب العاشقة التي تريد استرجاع حبيبها الذي فقدته بعنادها:
– ارغب في اعادة التجربة معك , ولكن هذه المرة في مكان مختلف كليا , سنذهب في رحلة نهرية ؟!! ودعني اقول لك شيئا , فالمرأة من الصعب ان تطلب من أي رجل مواعدته , ولكنك حالة استثنائية في حياتي ولن اقبل بأي اعتذار.
تفاجئ بطلبها المفاجئ والعفوي وبكل جنون الرجل الذي صرعه الحب متناسيا لحظات الغضب والمعاتبة , قال لها دون تردد:
– أجل.

****
أتصل ” معين” على Anthony معاتبا اياه لعدم اخباره بأن معشوقته يهودية الاصل .
أجابه Anthony وهو يضحك :
– لم أكن اعلم بأنها يهودية , وهناك أمر اهم من هذا الموضوع .
أستبد الفضول بمعين, وسأله على الفور:
– ماهو ؟؟!
– أن ” مريم” ليست هي الفتاة التي تم أختيارها للمواعدة العمياء , فلقد الغت الفتاة مشروع المواعدة منذ اليوم الاول واتصلت على الشركة الراعية لهذه المواعدة والذين بدورهم ابلغوني بهذا الالغاء , وعندما اخبرتني بما حصل معك في اليوم الاول , لم أشأ أن أزعجك بأنها ليست الفتاة المنشودة , وذلك لكي يظل حلمك بالحب ينمو ويستمر بداخلك.
– وكيف لبست “مريم ” القلادة الخضراء ؟؟!
– انها الصدف يا صديقي.
– يا لها من صدفة غريبة ؟؟!!
– ان هذا اللقاء قدره الله لكم , لذلك لا تهتم بجنسيتها او ثرائها , فأنت احببتها لشخصها فقط .
– نعم ووقعت في حبها.
– أن الوقوع في الحب هو أروع أحداث الحياة , وهو أثمن ما نملكه ، فلنعشه بملء ، كقول تشارلس ويكنس ( البارحة قد عبر فأنسه , والغد لم يحن فلا تهتم به ، واليوم هنا فعشه ) لا تعيش على عبارة – من نكون – , بل عش من أجل الجوهر الداخلي للشخص الذي تحبه.
****
لبست فستانا أحمر اقل ما يقال عنه انه مغري ومحافظ في ذات الوقت , نظر اليها قائلا :
– اه , كم انت جميلة , اخاف ان يحسدوني الناس بسببك.
ضحكت وقالت بابتسامة جذابة :
– اراهنك بأنهم سيحسدونني انا بسبب رجل وسيم تعلق بامرأة جمالها اقل من المعتاد.
– انت مخطئة , فعندما يرونك لن تنفعني وسامتي لأنك قد بهرت الجميع بشعاعك البراق .
كانت رحلة عشاء نهرية مذهلة مع عزف لسيمفونية شعبية تحاكي التراث الشعبي لمدينة “لندن” بالإضافة الى روح التاريخ العريق لأثارها , مرت بهم المشاهد البانورامية لبيت البرلمان ، عين لندن ، برج لندن ، جسر البرج وكاتديدرائية القديس بولس.
خرجا معا خارج بهو القارب , فأرسل لهما النهر نسمات حنان رائعة من هوائه المنعش , قالت له:
– رجاءا اريد أن امد راسي خارج القارب وأتلذذ برؤية رذاذ الماء على شعري.
بدت له وكأنها حورية جميلة تخرج من الماء لترقص له , أصبح النهر لهم , الماء ايضا والهواء , انهم احرار في هذه الزاوية من القارب , ما كل هذه الاحاسيس التي راودته , كأن النهر وجد لكي يتخلص من اعباء حدوده الصارمة.
على فجأة اتاها يد قوية تمسك بيدها,كشعاع شمس واه يشق غيوم العشق المكبوت بداخلها , ويسحبها الى شفتيه ويلثمها بكل شوق , وحنين , ولهفة , وكأنها جنين يخرج الى حياة جديدة , يبدي مقاومة خفيفة في تقبل الحياة ثم يبدأ بالبكاء ايذانا بقبول واقع محتوم عليه.
لا صوت يعلو , سوى بقايا امرأة خاوية من الانفاس وبداخلها حرارة غضب ومتعة تعلو وتنخفض في دمها الملوث بالعشق.
سؤال داخل كل منهما : ماذا حدث؟
عادا الى داخل السفينة , كان الاثنين يضخان حمما , مختلطة بتوتر يتساقط من حولهما.
كانت خائفة من نفسها التي اطلقت العنان لعواطفها , نظرت اليه مرة اخرى بنظرات دافئة مشتاقة , ابتسامتها الغامضة حولت وجهه المتشرب بطعم العشق الى صور من الممثل المشهور بوسامته ” رودلف فالنتينو” معلقة على جدران قلبها .
اصرت ان يظل الحديث بينهما في حدود , أرادت ان تصرخ به : هل حبي لك كان خطأ ؟ لقد رأيت الحقيقة في عينك , انت تحبني بجنون , المرأة لا تخطئ ابدا في مشاعرها.
نظر في ساعته وكأنه متعجل الى العودة الى ارض الواقع , أحست بطعنة في قلبها , قاومت غصة قهر , وولدت بداخلها بذرة الشك , هل القبلة دليل على حبه لها ؟ ام انها بنظره مجرد فتاة ليل اراد الاستمتاع معها لبعض الوقت , ثم قرف منها ومن الامراض الجنسية المختزنة بداخلها وهجرها.
لن تبكي , من المستحيل ان تدمع عيناها , لقد منعت نفسها من البكاء منذ ان كانت طفلة صغيرة , فالدموع رمز لضعف المرأة , وهي لغز مخفي ومعقد لا احد يعرف حلا له.
هوى قلبها و هو يمسك بيدها لكي تعبر باب السفينة الى الخارج , احست بالشعيرات الخفيفة على يده كأنها شوك يوخز الأبدان ويخلطها بمشاعر الحياة مع الموت ويضع الهيام والعشق الكامل في قائمة من المستحيلات.
طوال الطريق رغبت بان يلتصق بها ويضمها الى صدره , أحساس مختلف حدث لها , احساس مراهقة تتعرف على تضاريس رجل لكي تنحت معه جبال الهوى وتحفر معه اودية الاماني.
لقد وصلت الى السحب واستحمت بشفافيتها المليئة بالنقاء , كم مضى عليها لم تغسل جسدها بالحب , لا تريد ان تفيق من حلمها , أنها ترى نفسها في جميع الاركان , وهو يحاصرها كتجسيد لرجل شرقي تشتهيه وتريده.
أن نظراته الشاردة تجعلها تحس بخيبة امل في مداراة شره أشواقه ومراوغاته المستمرة بمعاودة التقرب اليها , ولكنه لن يظفر الان منها إلا بخذلان جديد يقصيه عنها و عن عالمها.
وقف قليلا يتنفس من الهواء النقي وكأنه يهرب برجولته الشهوانية أمامها إلى خارج جسده , اطلق زفرات قاسية تكاد تخلع أضلعه , ندما على ما فعله .
وأخيرا نطقت وقالت له :
– من انت ؟ اين انا ؟؟ ما الذي يحدث لنا؟
– ما الذي تقولينه ؟ لقد ارغمت عقلي على الجنون , كحل للوقوع في حبك , من سيكون العاشق انا ام انت ام كلانا , هل سأكون ظلا لامرأة تدخلني القبر وتختفي كحل ومهرب من الحب.
– اتتك الجرأة مرة اخرى على الكلام , لقد طال الظلام على قلبي بعد ان كان قصيرا , ليس لنا خيار إلا اعتبار ما حدث مجرد نزوة لم تحدث.
– سامحيني.
فكرت قليلا , أهو نادم حقا ؟! كيف يطلب الاعتذار ويجعل ما حدث بينهم جرما عظيما , انه هو من أشعل فتيلا بداخلها ولن يطفئه إلا هو.
اوصلها الى منزلها , وقالت له بحدة :
– لا اعتقد انك ستراني بعد الآن يكفيني ان اشكرك على هذه السهرة الجميلة , الى اللقاء او لا لقاء , لم يعد هناك فرق.
****
استيقظت بعد غيبوبة حب لذيذة مطعمة بكوابيس الفراق على اتصاله وعلى صوته الذي يشبه نسيم الصباح قائلا لها:
– لك الخيار , مع هذا الوضع الجديد , ان تقبلي بمقابلتي اليوم فأعود الى داخل الكون بعد ان هجرته وعشت في نجمة الأمل او ان تكسري قلبي , فتقتلي رجلا متأثرا بجراح مشاعره.
– ذلك يكفي , لقد خلعت باب انتظاري , لقد نسيت ان اتنفسك في كل لحظة , هل في قلبك أي عظمة لتنكسر ؟ هل مازال في عمرنا ثوان لكي نضيعه على خلافات تسجنا مدى الحياة في اعاصير ورياح ثائرة لا تتوقف .
– ما فائدة كلامنا الآن حديثنا فعلا ناقص , ولا يقوى على تحريك صخرة حبنا ولا قيد أنمله , لقد اكتشفت ان لك مكانا في قلبي لا يمكن لأي شخص في هذا العالم ان يملأه غيرك , أريد ان اراك الان لنذهب الى الريف الانجليزي استعدي , ربما تظني ان بي خلل , هستيريا , ولكن لم يعد بي قدرة على المقاومة , اريد رؤية اللون الابيض والأسود واضحا , ولا اريد رؤية كآبة الرمادي , اريد ان ارى حبك بقصة قصيرة من زمن “قيس و”عنترة” (رجل احب امرأة , عاشت بقلبه ثم مات هو بقلبها).
– ما الذي تبحث عنه هناك؟
– فضول , مجرد فضول , قال عراف قديم : الريف منبت السعادة والفضول في قلوب العشاق.
– اذن أنت تستنجد بالطبيعة كشعاع أمل .
– نعم , في الريف تمر اسراب من الطيور يجمعها شكل قوس , تطير باتجاه واحد الى منبع اصلها ألا وهو الريف , تستطيعين اللعب معها , تقبيلها تناغيها , ومهما ابتعدت عنك فهي تعود الى روحك وتجري ورائك لتحميك من المخاطر.
– لن افكر في رفض عرضك السخي , سامرك الان لنذهب.
– لا اريد سائقا يرافقنا ,انا وأنت فقط في قطار الحياة.
اتصلت بها سكرتيرتها للتوقيع على صفقة ضخمة من الملابس النسائية لتوريدها الى الاسواق , لم تعرف ماذا ردت عليها أهي الموافقة او الرفض , انها لا ترى أحدا , اصبحت بلا صوت , بلا إحساس تخلصت من كل افكار التجارة , عرفت عن مشاعر الدنيا بمنظورها الحقيقي , وكشفت عن اسرار لم تشعر بوجودها من قبل , دخلت الى العمق البشري بمنظار الصورة الواضحة المعالم , كانت تتعجب كيف كانت حياتها قبل ان تتعرف عليه وقبل ان تحبه , هو اشياء كثيرة لا تستطيع تعدادها او وصفها.
الفصل السابع
……………..
نقاط الرغبة

(المرأة تحب بمكر, بينما الرجل يحب بذكاء والاثنان يضيعان في بحر مشاعرهما)
كان القطار ذاهبا الى “ “ Stratford إحدى مدن Manchester “ “ الكبرى في إنجلترا , حيث السماء الزرقاء الصافية والطبيعة الخلابة , كانت تلبس قميصا ابرز جسمها الملفوف بجمال المرأة القادمة من عمق الجاذبية , مع بنطال قطني , وحذاء رياضي , وشالا اخضر من الحرير ربطته حول عنقها , مع احتفاظها بالكحل الاسود الجميل .
كانت تبذل مجهودا ضخما للتحول من امرأة ثرية الى امرأة بوهمية , كأنها تريد ابلاغه ان فلسفتها في الحياة هي ان المرأة اذا احبت بصدق تنازلت عن كل شيء من اجل حبها , لأنه سيكون مسك الختام في حياتها.
اغلق كل النوافذ المعتمة امامه وفتح صفحة بيضاء مطعمة بقصائد الشاعر الانجليزي ” جون كيتس ” يسمعها لها , كان معه حافظة تحمل شايا معطرا بالزعفران و ماء الورد صنعه بنفسه , ناولها منه القدح الاول والثاني ومع ذلك أحست بالظمأ مع كل قصيدة.
نظر اليها نظرة مليئة بالأشواق والهمسات القلبية وقال لها:
– حدثيني عنك بعد عودتك؟
قالت وهي تغوص حبا وعشقا له:
– لقد عدت انسانة اخرى , فحصارك لي في كل وقت جعلني من الشعراء , وكلامك المعسول الذي لا يفارقني جعلني لحبك من المدمنات , عدت أحمل حبا فوق اكتافي , تحررت من عبودية المال , لم يعد شبح الماضي يتعبني , وأنا متأكدة بان هذه الرحلة ستلبي رغبات العشق بداخلي.
كانت لا تحس بمرور القطار السريع بين المحطات , ولا بالاستراحات المملة , كان يلمس يدها بين فترة وفترة وكأنها تعيش في غيبوبة الحب من لمساته , وتلملم اوراق الشجر القديمة بين أصابعه قالت له :
– اذا بقينا على هذه الحال , فسوف نموت من قلة الراحة ؟؟
– انك مخطئة يا ملاكي ,لقد عدنا الى الحياة , عاد الينا الهدوء الطبيعي في العشق , لقد ولدنا أخيرا , لدينا الان السهولة , المرونة , الخفة , وكأننا ملكنا حواس الحب , ايتها الملهمة (أحبك ..احبك..احبك ) وبكل لغات العشق القديمه سأقولها ليعلم الجميع من هي فراشتي الجميلة.
وبابتسامة المرأة المزهوة بكلمات الغزل قالت له بدلال واضح في صوتها:
– نحن في منتصف القطار, ماذا حدث لك ؟؟
– كم اتمنى ان اكون شخصا خفيا امر عليك وأقبلك و امسد على شعرك دون ان يرانا احد واصرخ في الجميع انها لي , لي , انا فقط.
سكتت ولم ترد عليه , أصبحت لا تعيش الفرح إلا وهي معه, وعيناها لا ترى حبيبا سواه , انه منبع اجمل الابيات
المغزولة بالزهر والفل والريحانِ والتي كللت ليالي العتمة والظلمات في حياتها , لتصبح نورا يفيض شعاعه حبا وحنانا.
عند البوابة الخارجية للمحطة طلب تاكسي للذهاب الى فندق The West bridge ، حجز غرفتين ذات شرفات تطل على المدينة , وبينهما باب مشترك .
ارادت ان تدفع ثمن اجرة التاكسي عند وصولهم الى الفندق… فقال لها بصيغة الامر:
– اعطني محفظتك !
– لماذا ؟
– لقد اتفقنا ان لا دخل لك بالأمر , الامر لي الان يا ” مريم ” .
– لماذا اخترت هذا المكان بالذات ؟؟
– انها مسقط رأس الشاعر والكاتب الإنجليزي الشهير “وليم شكسبير ” وعلى الرغم من مرور اكثر من اربعمائة عام على وفاته فمنزله يعتبر مزار سياحي من الدرجة الاولى ويتوافد اليه ألآلاف السياح البريطانيين والأجانب في عطلة نهاية الأسبوع , أن شعره معلق في قلبي لأنه يشبه روحك , وهو معلم الحب بلا منازع.
– لا , أنا اختلف معك فلا يوجد أحد يعلمنا كيف نحب ،الحب يأتي بدون مقدمات , ولا يعترف بمكان ولا زمان و لا يفرق بين اجناس.
– ولغة القلوب هي الشاهد عليه , وهي لغة لا يفهمها ألا العشاق , الدموع رسائلهم , والقمر نديمهم , ونجوم الليل تؤنس وحشتهم , وشعر “وليم شكسبير ” هو جزء من آمالهم وأمنياتهم لحبيب يبقى معهم طوال العمر.
– هذا كثير علي , فمن انا ليحبني كاتب يفهم مخابئ العاشقين , ويكشف بواطن النفوس لكتاب الشعر من بين السطور والأوراق.
– هذا الكاتب يجن بك ومستعد أن يستبدل اوراق عمره الحالي ورقة , ورقة , ويتعلق بورقة خريفية صفراء , تعلم عن موتها وبأنها لن تعود الى الشجرة التي لفظتها مقابل حبك , لذلك ارجو ان يبقى حبك في قلبي الى الابد , وإذا حانت لحظتي فلا تنسي قهوتنا لتكون ملتقى العشاق من بعدنا.
وضعت يدها على فمه تريد ان تسكته وتمنعه من ذكر سيرة الموت , فلمست اصابعها الناعمة شفاهه , وأشعلت النار في شرايينه , لم يستطع الحركة وكأن حواسه قد شلت تماما , ولم تبق معه إلا حاسة السمع , فقالت له :
– حبيبي أنت الاقرب الى حزني والأعمق في نفسي وإذا حدث لك أي شيء لا سمح الله , فتأكد باني سأصبح ترابا تذروه الرياح واتبعك الى أي مكان تذهب اليه , وسأبقى اخاطب فيك جمال النجوم الساهرات , يا من كسوتني حبا ولملمت كل اجزاء الشتات في حياتي.
وصلوا الى الفندق , كان قلبها يزغرد فرحا لأنها ستبقى معه طوال اليوم وبجانبه , وستسهر على رؤيته , وتتابع رغباته من خلال قهوته , كأس الماء الذي يشربه , الكعك الذي يفضله , غضبه , ورقته , كل هذه الامور ستتجمع في دمائها المغروسة في حبه.
ما أروع الحياة ونحن نبتسم لها ، ما أروعها ونحن نحب , ويا لروعتها العظيمة لو حققنا وحصلنا على كل هذه الأمور , كان غريبا بعض الشيء بالنّسبة لها أن تمتلك فجأة منظارا جديدا مختلفا عما سبق وتتأمل به ” معين ” وكأنها طفل يقوم باستكشاف العالم للمرة الاولى وهو مليء بالحماس ويطير من الفرحة جراء كل ما يحدث من حوله , تأملت غرفتها وابتسمت , تأملت سريرها وابتسمت , أصبحت تصغي لصوتها وتبتسم , وأخيرا تأملت المرآة وابتسمت للحياة.
****
كان حذاءه عنيدا يرفض الاستقلالية , وضعه بعيدا عنه وطلب منه ان يدهس على مراهقته المتأخرة ويبقى في مكانه , ولكنه أصر على انتعاله والذهاب اليها على التو وفتح باب العشق الذي بينهم , اشار الى حذائه بعصبية وطلب منه الهدوء وأن يبقى في مكانه طالبا منه عدم دهس روحها الجميلة بلحظة نشوة تزول على الفور , بعد أن تستغل ضعفهم وتكسر حاجز الحب الصافي الذي بنوه باختيارهم.
غيرت ملابسها الى ملابس صيفية خفيفة جميلة ملونة ونزلت معه الى سوق السبت , اشترت له ميدالية من الخشب عليها صورة لـ “ويليام شكسبير”من الامام وفي الخلف كلام حفرته له مكتوبا عليها ( الى من علمني معنى الحياة والحب) .
شكرها قائلا:
– أصبح حبك معجزة , بعدما ولى زمن المعجزات , شكرا لحبك , فهو زودني بأروع مفرداتي , وهو الغمامة الوردية التي حمتني من لهيب الصحراء.
قصدا بيت”ويليام شكسبير” , ورأت كأنها تعيش مع ” معين” في دفء هذا البيت , كانت دواوينه معلقة في كل مكان , وسريره محاطا بألوان فاقعة غلب عليها اللون الاخضر والبرتقالي , كانت عينا ” معين” تشرح لها عن كل قصة كتبها وعن كل شعر قاله , أحست بسعادة كبيرة لاهتمامه بتثقيفها وعنايته بتشذيب عقلها , قادها الى الطاولة التي يكتب عليها , حيث تناثرت الاوراق الممزوجة بالحبر القديم , وتمنت ان تهدي هذه الطاولة لمعين وان تبيع كل ما تملك لشرائها له.
ذهبا معا الى عرض shakespearience الذي يستكشف قصة شكسبير و يسلط الضوء على جانب من تراث بلده , كان ممسكا بيدها طوال الوقت , وأحست بأنها تريد مسافة للركض والتخلص من التفكك والعذاب الذي يجتاحها بسبب النشوة المسيطرة عليها.
اصبحت جروحها تتساقط امامها ولا تجرؤ على فك اصابعها من بين اصابعه , تتمنى ان يقبلها وتشتهي جنونه وان يدخل جسمها ثم ينتشر في فراغاتها ويتخلل في قاع روحها , ولكنها في لحظة واحدة تتشكل على شكل طائر البلشون سامقة وحزينة , ولا تجرؤ على عبور قلبه والاندساس تحت هوى مدرجه لتغفو وتستكين من رحلتها الطويلة معه عبر السماء.
ذهب بها الى شارع الاغنام , وكما يوحي به الاسم فالأغنام في كل مكان بدون أي رقابة عليها , فهي ترمز الى النقاء وصفاء القلوب , وكأن مشاهدتها تجعل الاخرين يتسعون في رحاب الأفق ويتعرفون على ضعف شخصيتهم وان مشاغل الحياة وهمومها تضعهم داخل دائرة ومهما حاولوا ان يكسروا هذه الدائرة تعود بهم الى نقطة البداية.
ارادت ان تخرج من هذه الروائح المختلفة للأغنام وتشم هواء جديدا ,كان هناك مارينا الباصات المائية التي هي عبارة عن فنادق ومطاعم عائمة , دخلا احداهما واكلا فيه , نظر الى عينيها قائلا:
– اريد ان اضمك وأنت تأكلين , فأخبئك عن اعين الآخرين وألهو بطعامك , فتتساقط فتات خبزك بفمي , فيكون جزءا من لعابك الجميل محتواه داخل معدتي , ثم يتحرك هذا المحتوى من تحت جسدي ويرحل الى منابع عقلي , فيلقي قصائده الملونة التي تدور في فلك واحد ألا وهو الالتقاء بعالمك من بعد شوق الى حنانك.
– كلماتك تعلقني على أشجار ليست لي , وتحلق بي على أفاق ليست لي , كلماتك تسرق الاضواء وتسرق نبضي وتجعلني شاعرة في زمن ليس لي.
– أحبك , سأقولها لك اليوم وأمس , وإذا نسيت في هذه اللحظة سأقولها بالغد وبعد الغد ومدى الحياة.
كانت اصابع الشمس المتأخرة في تمام الساعة التاسعة مساءا قد بدأت بالغروب , لقد اصبحت ترتعش بمجرد التفكير بعودتها معه الى الفندق , كان عليها ان تكبح جماح شوقها له , وان تصارع هوى عنيف يدفعها للتنازل عن تأثير الظلام لتلجم هذا الاحتراق في المشاعر العنيف.
عادا معا الى غرفهم , كان يتمحور تركيزه الى الركن الخامس من غرفته ( الباب الفاصل بينه وبينها) , يحلق به كوجه خال من الشعر حليق , وجلد عاري يريد ان يكسوه بالحان الرغبة.
فتح النافذة التي أمامه المطلة على البحر فتطاير في الهواء صورتها وهي تتمرجح كطفلة صغيرة تريد ان تهبط الى الارض بعد ان انتهت من أكتشاف النجوم.
وضع رأسه على الوسادة ثائرا على البحر وماذا فعل به ؟؟ لقد تغير بين ليل ونهار , اصبح الحاجز الذي بينه وبين معشوقته واهنا مشبعا بالأصداف والشعب المرجانية المزيفة , ارتجف من داخله وقرر المجازفة سرح وفي اكمامه رائحة الشيطان وغواية النوم , كترانيم معبد إغريقي غامض مليء بأوتار الشعر المثير.
****
كانت غرفته غارقة في الظلام , دق الباب عليها بهدوء , أملا بان تفتح له طاقة من الامل وتعمر له منزلا فوق النجوم .
ردت عليه من وراء الباب:
– ما أجملك وأنت تتحدث عن رغبتك بصراحة ايها العاشق.
– انت تطريني كثيرا.
– ولم لا ؟ فأنت حبيبي وأرجوحة النغم في حياتي.
– ألا ترغبين بشرب القهوة معي.
فتحت الباب على استحياء , شاهد جسمها كاملا من خلال فستانها الاصفر الفاقع الشفاف الذي وضعته على استحياء وكأنها إعصار محبوس في زجاجة , وفي حالة من الاستعداد والترقب لحرب عالمية ثالثة ستبدأ على التو.
– لا تتصوري كم احترم المرأة التي تعيش تجربة الحب بصدق.
– ما قيمة هذا الامر عندما تنطلق شرارة الشهوة المزروعة بداخلنا .
– الشهوة هي الحياة , خلقت بداخلنا كنار لا تخبو ولا تنطفئ ووجدت لكي لا تنقرض الحياة.
غمرته رائحة عطرها الفرنسي المميز , وشعر بأنه يطل على جرف عميق لا قرار له.
– ما أجمل جسدك بعد أن عاش مخفيا عن ناظري.
اقتربت منه وهي تشم رائحة الغواية في الاثير , وسرى تنمل في انحاء جسدها ومسحت شعرها قائلة :
– تستطيع لمسه , ليست لي القدرة على تهذيب غرائزك الطبيعية , هل تعتقد انني لا اعرف كل واردة وشاردة في ذهنك ؟
– رغم الزمن الطويل الذي لم المس فيه امرأة , فان الشهوة كانت بالنسبة لي شيء مستقل له معبده الخاص به , شيء لا اخلطه مع حياتي العامة.
– انظر الي اذا , كن كرجل الغابات , بدائي , مزاجي , هجومي.
تأملها بعمق , وسبح في بحر الاحلام , وشهوته اصبحت كثورة تونسية , مصرية , سورية , ليبية , تنمو ثانية بثانية ولا يستطيع احد ايقافها .
لا يكفيه منها اليوم ابتسامة أو سلام , ولا يشبع قلبه قبلة هيام بل احتفال ضخم يعلو به فوق النجوم.
بين نعم ولا , مرادفات كثيرة غابت عن عقله , ثم تغلبت عليه غرائزه , ووقع ذهنه على كفة الميزان الايسر ليجذبه الى الاسفل.
شدها من يدها بقوة , وطرحها على السرير , وهمس لها ( أنت زهرة حياتي التي اود ان اقطفها الان وفي كل مكان, سيصبح كلامنا بعد قليل بدون معنى , بدون هدف, فقط مجرد تأوهات , ونشوة تحفر في عقولنا الى الممات) تركته يتحسس كل جزء منها بقدسية كاهن يتلمس معبده ويطمئن على روحانيته , حاول ان يفك اول زر , فلم يفلح رغم محاولاته العديدة , اشتدت عصبيته ولهاثه وحرجه , أنغرست يده في صدرها , وأحس بعودة روحه الشابة , ثم شهق بشبق لا محدود له, وحين احس بالكنز الذي يملكه قطع بعنف وسادية فستانها , كشخص حرم من امرأة منذ زمن وجفت روحه وأصابها تشقق و ندوبات في جميع انحاء جسده , ثم عاد الى الحياة بجنون التمسك بها والاستمتاع بأخر قطرة منها.

الفصل الثامن
…………….
نقاط الاحلام

(عندما تحلم ايها الرجل بالحب , وتتلهف عليه , وتنثره , فاعلم بأنك وجدت المرأة التي تحبها)

حين أستيقظ في صباح اليوم التالي , عجب من حلمه وهلوسته وكوابيسه التي تربصت به , وأوهمته بمعاشرة امرأة يتمناها بجنون , كان جسده رخوا ويحمل خارجه محتوى لماء داكن يعتبر تنفيسا لحاجز صنعه بنفسه لإقحام جسده من خلف باب مغلق.
دعك جسده جيدا بالماء , وخصوصا موقع المياه الداكنة , انها امور شبابية مضت وولت منذ زمن , كيف عادت اليه وهو في هذا السن , احس بفخر ورجولة عاتية وكنوع من التصميم لمس كل جزء في جسمه وهنأه على هذا الانجاز الرائع.
مع تناقض شخصية الكاتب , احس ان جسمه مزخرف بدنس وكأنه عاهرة تبالغ في الاهتمام بتنظيف جسمها لتخفي دنس الاعماق.
خرج بجسده العاري من الحمام , ونظر اليه الباب قائلا:
– لم الحظ عريك من قبل , لماذا هذا الذقن والشنب الكثيف , ولماذا هذا الجسم المليء بالشعر , من المعتاد ان نبذل مجهودا لإخفاء عيوبنا داخل ملابسنا ولكن كل جزء من جسمك تخرج منه دبابيس مغطاة بقوة “شمشون” , احلق ولن تذهب قوتك الخارقة كما في الاساطير.
اراد استفزاز الباب فقال له :
– انت تثير تقززي حقا , الحياة مع العشق والانصهار مع المرأة التي تحب ارقى من شهواتك البوهيمية , الحياة احساس وفكر وفن وكتابة.
اجابه الباب وهو يضحك ضحكة رقيعة :
– هل تغالب نفسك ايها المثقف !!! فالرجل الذي لا تهتز شهوته أمام الأنثى يعيش وهما يسمى (المقاومة الغير مجدية ) ، فشفتاها خلقت للقبل وجسدها خلق للاحتضان , انظر إلى ملامحك جيدا ، دقق في تعبيرات وجهك كيف كان حالك وأنت تراقبها في كل لحظة , فمك مفتوح , عيناك جاحظتان ، و أمر اخر تعرفه جيدا ايها الرجل .
– يجب أن تفرق بين العشق و الشهوة وبين ممارسة الجنس وبين الحب , أنا لست حيوانا مسير بغريزة الشهوة فقط.
– كفى مواعظ , فأنت لا يهمك سوى اعتصار اللذة , كما يعتصر العنب لصنع الخمر , هذه الغرائز هي التي تصنع الاديب , وتساعده في حبكة رواياته , لماذا لا تحضني وتخمد هذه المشاعر المتقدة والعواطف الجياشة في عقلك ؟!!
ارتعشت اصابعه وحضن الباب بهدوء وكأنه يلمس جسمها , اراد الباب ان يشاركه اللعبة , فرماه بنظرة غواية قاتلة , وقال له :
– أسترخ ودع نفسك لي , انا اعلم بأنك اتقنت فن الكتابة , ولكن دعني القنك بعضا من فني , قد يوجد في الصحراء كنوز لا تجدها بسبب السراب ولكنك ستجدها على اعتابي , ثم بدأ باللهاث المتزايد.
لم تعجبه هذه التمثيلية فصرخ به :
– لم يسبق لي ان بادرت مع باب سواك , دوما الابواب تفتح لي , لماذا تتحرش بي ايها الباب .
– هي الاخرى تتحرش بي.
– اخبرني ماذا تفعل ارجوك .
كبح الباب ضحكته التي كادت ان تنفلت مجلجلة وقال :
– هي ترغبك بشدة ولكنها تدور في دوائر ودوائر من القلق وتحلم بأمل اللقاء وعند اللقاء تحلم بالبقاء داخل جسدك.
– دعني انظر.
عكس الباب صورة لامرأة منهكة , ترغب بالصراخ وتكسير أي شيء امامها , كانت تتمنى ان ينقض عليها كما ينقض النسر على الارنب ويترك مخالبه على جسدها , صرخت على الباب قائلة:
– احس باني انفصل الى امرأتين , امرأة تريد هذا الرجل بشدة , وامرأة لا تريد ان تبيع شرفها في لحظة غريزية محروقة بالرغبة المستميتة.
– ماذا تريدين منه ؟؟
– اريد ان اجلس في حضنه , وادفن وجهي في صدره واشتكي له من غدر الزمان , يكون رجلي الذي يغدق علي من ذلك الرحيق الخلاب المعطر بالفل , يشق سحب حياتي مزنا بعد مزن , كل درب يسير به هو دربي .
– هل تودين ان تكوني عشيقة له ؟
– المرأة عاشقه بطبعها , ولا تعيش بدون حب , ولكن للحب حدود وآداب ونهاية سعيدة , او نهاية مكللة بالخزي والعار , هل فهمتني ايها الباب !!.
عاد الى عقل ” معين ” بصورة باب هش متموج بصوتها الرقيق , وطلب منه أن ينسى الحكاية كلها , وان يحول خلايا قلبه التي تنبض بالحروف وتسكب المعاني الى رعشات خفيفة على شكل أحلام , لأنه لن يستطيع الحصول عليها مهما حاول ومهما لسعته نيرانها.
اراد ان يصفق الباب برجله حتى لا يستطيع التحدث معه ومناقشته في اموره الخاصة , ولكنه بصق عليه , وفكر أن يقطعه الى اجزاء صغيرة ثم يجعله نشارة خشب تذروها الرياح الى جهة مجهولة.
صرخ به ليكف عن جلده بكلماته قائلا:
– كفى , كفي , لا اريد ان اسمع منك أي كلمة أضافية , أذهب اليها للمرة الاخيرة وأخبرها عن صدق مشاعري .

ادهش الباب حالة الهياج الشديدة التي انتابته فقال له :
– أجمل الخطابات الصادرة من العاشق الصادق هي التي لا يرسلها عن طريق طرف آخر , بل النابعة من قلبه ولسانه , حسنا لن أكمل معك فأنت ادرى بما تريد , ولكن لا تمثل دور الشريف والعفيف معي , فهي ليست مجرد شهوة وستطير بمجرد الانتهاء منها , اتسمع , انها امرأة تحبك فقط , هناك حدود فاصلة بين التفكير بالمشاعر المتقدة وممارستها , هذه الامور تجعلك ممزقا بين الانجذاب الى الهاوية أو الوقوع فيها.
صرخ ” معين ” على الباب قائلا:
– احتاج إلى وقفه جادة وشجاعة ولصدمات متتالية لأعود الى الواقع , لكي اصحوا من حلمي المبتور المشوه في معالمه , المنتهك في أعماقه لامرأة أعشقها بجنون , ارجو من ربي الان ان يسامحني على ما فعلته وعلى تفكيري القذر , أنا من أصررت على ممارسة ذنوب اقترفتها بكامل وعيي , أصبحت كسارق يحصي غنائمه , وكل جسد ضمه , وكل قبلة اخذها في غير وجه حق.
اصبح الباب عالما لا يزول , وكأن ابواب العمر قد ذابت بداخله , يتعذب وحيدا وينزوي في جزء من الغرفة المعتم وقد يشف لحد البكاء وهو يعلم بان من يزرع القصائد على عتبته غير قادر على كسر حواجز الفراق.
مرت ثوان وليست للحياة اثر في هذا الباب , اصبحت كل الاشياء في هذه الغرفة بلا روح , لقد انطلق ” معين” بروحه الى السماء طالبا المغفرة , ثم عاد الى مكان منقطع عن الوجود , كأنه في منتصف السماء ولا يريد العودة الى الارض وتلوثها , لم تمر أي خاطرة عليه , اراد فقط ان يصلي ويدعو الله الهداية الى طريق الصواب.
وعلى فجأة تحول الباب الى مرآة لامعة , طالع ” معين” من خلالها الى شخص حر , نظيف , نقي , ثم رأى صفاء روحه وطهارتها وهي تمد يدها اليه , فلما امسكها تحولت الى غيمة زرقاء صافية خالية من الشوائب , وكأنها شيخ صالح شفاه من شيطان تلبسه.

****

انه صباح جديد وسط ذلك الجنون الهذياني وهذا الخواء المريع الذي احاط بها طوال الليل , وحيدة في هذه الغرفة , وكأنها مخلوق اسطوري يخاف منه الجميع دون ان يعرفوه على حقيقته.

اغتصبت ابتسامة ، وأرادت ان تقتل الباب المغلق الذي وضعها في حيرة بين مفهومي العادات والتعاليم الدينية التي تربت عليها لكونها من اليهود الشرقيين , ومفهوم الحرية الجنسية التي تراها في كل مكان , ولكنها ستنجح في ايقاف هذا الباب من خلال تصميمها وإرادتها القوية , لقد رسمت طريقها بجدارة منذ الصغر ولم تجعل من نفسها سلعة لأي مخلوق إلا بالزواج , ستتمهل قليلا وتنتظر مستقبلا بنفس منشرحة وسعيدة مع حبها الحقيقي , أنها انثى في نهاية المطاف , تطلب رجلا يعشق الخصوصية , ويعتبرها كصندوق مجوهرات , يحافظ عليها من اعين الجميع ويخاف ان يمتد أي يد عليها.
تحسست جسدها, انها محاصرة بتقاليد الانوثة , وملوحة البحر الشديدة التي تمنعها من الغرق , وكأن البحر يعيش معها في غرفتها , انها تتنفس كرامتها , كادت ان تجري خلف ” معين ” وتدق الباب عليه وترمي بنفسها في أحضانه ثم ادركت الحقيقة متأخرة , انها من الداخل نقية وشفافة , ولكن الوجوه التي اختارتها بالسابق امتصت روحها الطاهرة.
تجاوزت الساعة الثانية عشر , ولم يتصل بها , وأصبحت تحس بشعور المتشردين في انفاق القطارات في لندن وهم ينتظرون أجرهم من عزفهم المعبر عن قصصهم الحزينة , لم تستطع أن تعبر عما يدور ببالها من أفكار وخواطر بدونه وكأنه فقدت عقلها , اتصلت عليه متلهفة للقائه قائلة:
– هل تبحث عن بديل ؟
– اني املك اصل الشجرة التي اعادتني الى العالم مرة اخرى , لا احد مثلك يا حبيبتي , ولكن للعاشق طقوسه العذرية , ويتلذذ بينه وبين نفسه بأعنف المشاعر وأعذب الأحاسيس والتي تنزل به من جراء بعده وحرمانه , ولذلك لا يطلب العاشق اللقاء إلا كمقدمة ضرورية لتحقيق الفراق من جديد.
– لنخرج من هذه الشرنقة المفروضة علينا ونذهب لنتغذى .
– ذهبت معه الى Mums Cafe وقدم لهم النادل كؤوس من القهوة عليها ابيات شعر لويليام شكسبير , احست كطفلة صغيرة تفرح بلعبة جديدة امامها , كان طعم القهوة شديدا ومنشيا لها , ضبطته وهو يتأملها بشبق , وأحست بنظراته تخترق قلبها كزهرة التوليب التي تتربع على قمة عالمها الصغير.
قال بصوت يغزوه جنون العشاق:
– اريد أن اصادق حبك , لكن كيف وجمالك جعلني مجنونا بك؟
ردت عليه بعبث معروف لديه:
– كم امرأة شاهدت في هذا العالم لتحكم على جمالي.
– الكثير والكثير ولكن هناك امرأة واحدة بهرتني بشفتيها المكتنزتين , ووجهها الاسمر العريق الممزوج بلون الدراق.
ضحكت قائلة :
– لم اتوقع ان الرجال يحبون المرأة السمراء .
انتشى لضحكتها , واخبرها ان الشاعر الكبير ” نزار قباني ” عندما بدا الكتابة , كتب عن الفتاة السمراء وقال:
قالت لي السمراء
احب الصيف وهجا الهيا
لن تطفئه برودة الشتاء
وقلبا طفلا
لن يعرف في امور الحب
سوى الصفاء
قالت بغنج الانثى:
– ارغب في ان تسمعني ما كتبت في رواياتك عن المرأة السمراء بدلا من استعارة القصائد.
ضحك بنشوة كبيرة وقال :
– ستندمين , ولكن لا باس سأقولها لك الان من واقع رسمته , وطرت به عبر القارات والمحيطات لأضيء حبا اعلنه للجميع , هذه مقدمة كتابي الجديد الذي اهديه لك.
( رسمت بعينيها المكحلة قلبا على روايتي , رسمتهما بقلمي الرصاص واقعا أخترق قلبي , وبرغم الحصون التي صنعتها , وعهدي بجنون الحب وأعراضه , إلا انها استطاعت اقتحامي وهزيمتي بلا شروط , هذه قصة فتاتي السمراء).
هاهي تغادر قطار المكابرة , وتعترف بأنها اصبحت كنورس ابيض يبحث عن سمكة صغيرة تسد جوعه من خلال ريشه الابيض المغطى بحكايا البحر , صارت أشبه كمن صحا من حلم ، ونشأ يرتب مشاعره المبعثرة ، يستعجل الوقت ويهرب بالعمر إلى مساحات مضيئة.
أنها الان ذابلة ومسحوقة بحبه الى درجة الجنون كشمس وقعت في قلبها ولا يوجد مجال لإطفائها , أخرجت هدية له عبارة عن ساعة مرصعة بالألماس , رفضها في البداية ولكنه لمح ملامح الحب والانكسار في عيناها في حال عدم تقبلها فوافق عليها , هي تعلم بان تكاليف هذا الفندق باهظة , انه سخي جدا وهذا ميزة الرجل الذي تحبه وتعشقه النساء , لذا ارادت ان تساعده دون ان تجرحه , فبسعرها يستطيع سداد تكاليف هذه الرحلة , مع علمها بأنه لن يبيعها مهما حدث له , ولكنها ارادت لضميرها ان يرتاح بسبب إغداقه بالمال والمشاعر عليها بلا حدود.
أخذ يدها وقبلها , فانزلقت في راحة يده اصابع انعم من الورد , لقد علمته اسرار نشوة الحب , أن لمسة منها تتحول الى مستعمرة من المشاعر تحتل كل جزء من جسمه , سحبت اصابعها بهدوء وبدأت تتناول طعامها وابتسامة رائقة تعلو وجهها.
لم يكن المرة الاولى له التي يطيل فيها النظر الى فمها , في داخلها احتجت على نظراته ولكنها علمت ان لذته ليست كلها حسية وان لذات العقل والعشق بداخله اعظم من الظاهرة .
سألته عن العشق من باب الفضول فقال لها:
– اذا رجعنا الى نظرية “أبن سينا ” الذي يرى انه بدون عشق يكون الانسان متعرضا للنقيصة والخسران , فينبغي للإنسان في نظره أن يحب لغاية روحية سامية , وان يكون العشق من أجل الخير والأمور العالية الشريفة , ثم ابتسم ابتسامة تدل على خبث فاضح , وأضاف وبمعنى اوضح فان الانسان اذا احب الصورة المستحسنة لأجل لذة حيوانية فهو مستحق اللوم بل الملامات , ويجب عليه ان يحب الصورة المليحة لجوهر الانسان , ولكن الانسان هو الانسان وبداخله اللذة التي لن ولن تنطفئ .
تطور حبها له , فكان معلمها في جميع المشاعر واستطاع ان يروي أحلامهما , وكأن هناك قيد سري يربطهم بروح واحدة .
اصبحت قلوبهم شفافة كالماء الزلال , اتضحت معالمها ولم تعد الفواصل او المسافات أو حتى المشاعر تفصل بينهم.

****

كان اليوم الاخير في “ستراتفورد ” ثم العودة صباحا الى لندن , دقت عليه الباب لتستعجله في الذهاب حيث لم يبقى وقت لتقفل المطاعم ابوابها .
خرج وهو مخفف من لحيته وشنبه الكثيفين , فقالت له:
– حين طرقت الباب , ونظرت الى وجهك عرفت لماذا تأخرت ايها الشاب الصغير , ولكني لا استطيع ان اتخيل حصاني البري الغير مروض يتحول الى وردة محاطة بهالة سحرية.
سكت قليلا, ثم قال بشيء من المزاح:
– أحببت أن اريك الشاب الممتلئ قوة وحيوية.
قالت له وهي واثقة من كلامها:
– العمر لا يقاس بالسنين إنما يقاس بالعطاء , العطاء شباب الروح , والكبر فيه الوقار والأمان والحياء , فالسن يتلاشى في ماء البحر المالح ، ولا يبقى منه سوى الزبد ، في هذا الزبد تزهو المشاعر ، تنثر الوانها وجمالها في كل مكان وفي كل جهة في مساحة رؤى العين والقلب ، وللمعلومية فوجودك بجانبي وصحبتك معي تجعلني اذكى وإحساسي بالعالم اصبح اكثر وضوحا ويبث في قلبي ذبذبات ايجابية , وكأنها زخات مطر سقت بذوري الخاملة وحولتها الى بساتين من الورود , هناك معادلة رياضية غامضة تثبت ان 1+1 = مليون وليس اثنين كما هو متعارف عليه , لان الاعداد كلها تصبح مضاعفة في وجود عقل ناضج كعقلك.
سرح بها مفكرا , ان أجمل ما في المرأة هو اطرائها لحبيبها مهما يملك من أمور بسيطة , اننا كرجال نحتاج الى ملهمات في الحياة , لان الحياة نفسها تتطلب مجهودا لتقبلها.
جلسا في مطعم Nando’s Stratford المشهور بأجنحة الدجاج وديكوره الخشبي وأجزاء من الماضي تحيط بهم , اخرجت من كيسها علبة كبيرة مغلفة بالورود وقالت له :
– هذه هدية بسيطة , عبارة عن مسرحيات لشكسبير خلال السنوات الثماني الأخيرة من حياته: “سيمبلين” , “هنري الثامن” , “العاصفة” , “حكاية الشتاء” , ارجو ان تعجبك ؟؟
– من يحب يُهدي ، ومن يُهدي يحب ، وخير هدية هو الحب ذاته, أنا احبك يا ” مريم” , جعلت حياتي مشرقة , عزفتي بأوتار قلبي كأعظم عازف كمان فى العالم , سوف اعيش كطفل صغير يأوي في نهاية المطاف الى من يحبه بإحساس قلبه الصادق.
– أعرف انك تحبني , وأحب فيك الكاتب المتحرر الذي اسمع من خلاله الى حكايا السهول والتلال المرجانية , لقد تعلقت بك , ولكني للأسف امرأة لا تصلح للحب , اقصد بمعناه التقليدي دون ارتباط.
– أن علاقة الارتباط هي جزء من حياة المرأة في شكلها النرجسي , ولكن هناك حياة مختلفة في كل جزء من عقل الرجل عبارة عن مشاعر يطلقها في عقله قبل الارتباط بأي امرأة تعوم وتنتشر في كل تفاصيل روحه.
– وما هي طبيعة هذه المشاعر ؟
– مشاعر التفاهم , اليست هي المشاعر المطلوبة في كل علاقة ؟ ألا تعرفين بان خيال الكاتب يكون اوسع من أي علاقة على هذه الارض ويستطيع من خلالها الذهاب الى جميع ارجاء الكون وينشر أمل الحالمين في حياة جميلة عندما يكون متفاهما مع من يحب.
تنهدت تنهيدة مطربة قديمة تريد ان تتأكد من أن حبالها الصوتية وقدرتها على الغناء لازالت متأججة , فيما كانت ترتجف ارتجاف طائر يهيم في السماء يبحث عن رزقه ويعود الى عشه خالي الوفاض , ثم قالت له بترقق:
– لنتمشى قليلا داخل هذا الريف ونستنشق بعض الهواء النقي , احس باني مخنوقة هنا.
– هل انت بخير؟
– نعم.
أحست كأنها وردة تفتح عطرها في صباح شتوي بارد كئيب ، ثم حلت عليها عاصفة ثلجية قضت على أوراقها.
لاحظ هذا الذبول المفاجئ لها فقال:
– قبل ان نذهب أريد أن اسالك سؤالا , وأرجو ان تجيبي عليه بكل صراحة مطلقة.
– هل تحبيني ؟
ضحكت “مريم” من هذا السؤال وقالت له دون تردد:
– طبعا , لقد احسست بك منذ اول نظرة ارسلتها لي في اول موعد لنا , ولكني عجزت عن شرحها لك كعجز العين عن رؤية الحاجب.
وضع يده بيدها وتمشيا بالقرب من حقل مليء بالزهور , ثم اقترب من زهرة حمراء مخلوطة باللون الابيض وأهداها لها .
قالت له وهي تحس باسترجاع جزء من سعادتها:
– سأتخذ هذه الزهرة سكنا , ومبيتا , لتصبح عالمي الخاص بي , وستكون تحت وسادتي طوال الوقت.
– هل اعجبتك وردة من رجل مسكين مثلي وأنت اهديتني ساعة تقدر بالآلاف.
– اقسم لك لو ان أي رجل اخر قدم لي هذه الوردة فلن احس بها ولا برائحتها , لقد حصلت على ما اريده في هذه الحياة , صديق مخلص.
جن من كلامها المستفز , فقال لها:
– الصداقة هي مستوى أقل من الحب , ان الحب هو اعظم ما في هذه الدنيا , لا اريد صديقة بل حبيبة اصحى معها كل صباح , وأغط من اريج شعرها وقد غرقت بشذاها , واجعل رحيق شفتيها دوائي وفي نفس الوقت خمري الذي يسكرني حتى الثمالة.
– وأين انا من هذا الحب ؟ انما هي ظروف متشابهة جمعتنا وهذه الظروف نفسها ستفرقنا.
– ان صحت نبوءتك مات حبنا.
– وهل تتوقع ان تحدث معجزة وتتغير هذه النبوءة.
– لا اريد أن افسر هذه النبوءة كنجم بعيد يضيء حياتي بهدوء وهو ميت.
وصلا الى شارع high roadالمزدحم بالسائحين فأوقفها قائلا:
– هل استطيع ان اطلب منك طلبا ولك الخيار في قبوله او رفضه ؟
– تفضل .
جثا على ركبتيه امام الناس وأخرج من معطفه علبة صغيرة تحتوي على خاتما مرصعا بالألماس , وقال لها :
– هل ترضين بالزواج بي .
قالها وهو ينظر الى تعبيرات وجهها اللامع لترد عليه , كانت تئن من الفرحة والوجع في وقت واحد , وتمنت ان يتوقف صدى تلك الكلمة في قلبها , ويحدث أي شيء عدا النظر الى تقاسيم وجهه التي تفوح بجزر القبول الفاتنة وشواطئ الغرق في حال رفضها لطلبه.
– ولكن انا لي ماض لم تعرفه بعد.
– ولا اريد ان اعرفه.
– ليس الموضوع بهذه السهولة , وأيضا يجب ان ابلغ اخواني بهذا الموضوع واطلب منهم الموافقة.
– افعلي ما تفعلينه , فقط وافقي على ان تكوني زوجتي وسأحارب معك طوال الوقت لكي أوحد مشاعرنا المجنونة والمتقدة بين قلبين الى قلب واحد فقط .
جثت الى جانبه وقالت له :
– تحت ضوء هذا القمر الصيفي , اقسم لك انني ساحبك الى الابد , نعم موافقة ايها العربي الذي خطفني بحصانه الابيض .
وضع الخاتم بيدها وضمها بقوة الى صدره , تحت تصفيق من جميع المشاة الذي شاهدوا عصفورين يلتمسان الدفء والسكينة في هذا المنظر الرومانسي داخل منطقة تنبع بالشعراء والعشاق , ولوحة في بداية الشارع مكتوبا عليها منطقة (Romeo and Juliet) .
عادا الى الفندق وكان الباب الذي بينهما قد تحول الى حديقة مليئة بالورود والياسمين ولم يخاطبهم الباب ولم يخاطبوه , لأنهم علموا خفايا الجهة المقابلة لقلب كل منهما .
الفصل التاسع
…………….
نقاط الاعتراف

(قلب المرأة كزهرة الياسمين, لا يعرف قيمتها إلا من شم عبق رائحتها)
في مقهاهم المعتاد طلب قهوته المعتادة وطلب لها مثله ثم قال:
– لم احب مشروبا أكثر من القهوة , أنها ترسم بداخلي خريطة الفرح والسرور , والغريبة ان لونها الاسود الحزين يدخل مباشرة الى ألوان حياتي بأناقته وغموضه وتميزه عن باقي الالوان ويغمرني بشعور مبهم يشبه المحموم الذي يغالب المرض وهو يهلوس بكلمات الحب الصادقة , وأيضا القهوة تنأى بنفسها عن غطرسة الشاي , وتقضي على البراءة المتكلفة في اوراقه الخضراء.
– كل هذا المدح لها , أنت تعلم بأني اغار عليك من الهواء الذي تتنفسه , هل تحبها أكثر مني ؟!
كان صوتها وهي تتدلع عليه عذبا ينساب الى اذنه كالنهر المليء بالأحجار الملونة , يبنع من حنجرتها , ثم يتفرغ من شفتيها ثم يهبط الى قلبه , املا في نفسه ان يسبح عاريا في داخله ويعزف لها أغاني العشق ليصبح هذا النهر ضبابيا , شفافا , تنحدر من جانبيه صورها الجميلة الصافية.
ضحك من قلبه على غيرتها الجميلة فقال لها:
– القهوة سائل لا يجيد التعبير, ولا يستغل حب التملك , ومنشط جميل للعقل يختفي بعد ساعات , أما منشطي فهو دائم في قلبي مدى الحياة , وهو يربطني بالجنة ونعيمها, ومستقبلي معه بإذن الله سيكون مفعما بالدفء والعذوبة.
سرحت قليلا تفكر بالخوف من الماضي وبواقيه , والخوف من القادم واتيه , كل الاشياء التي تراها الان امامها , قهوته , قلمه الرصاص , اصابع بنصره الطويلة , ذكورته الواضحة في تصرفاته الشفافة , هلوسة أفكاره الجميلة , تجمعت في مكان واحد , في ضميرها المغروس في قلبها فقالت له:
– كأنني ارى نفسي في تلك الشجرة البرية “العُشر” التي كنت اشاهدها في طفولتي , وارى ان من يقع عليها أو يقترب منها سوى الطيور الضعيفة والصغيرة بسبب عيدانها الهشة , لذلك انا أعترف لك أنا هشة جدا غير واضحة المعالم او التفاصيل , ارجوك دعني ارتقي معك حتى الوضوح , دعني ادق مسمارا ذهبيا شفافا في جدار علاقتنا يخبرك بتفاصيل حياتي , دعني أخترق حاجزا لا اعود اليه بعد الان ولا اخافه بعد أن أحببتك , أريد ان اخبرك بماضي , وأتوحد معك في قلب واحد لا يتغير.
– الم أقل لك , لا اريد ان اسمع عن أي ماضي , نحن نعيش في الحاضر فقط , فبعد ان احببتك انقطع حب انتمائي الى أي ذكريات منغصة , اريد ان اعيش من جديد مع من احب , دعينا نراها كولادة ارتباط ظهرت على العالم بمولود صغير خال من أي ذنب , لنطوي معها كل شاردة وواردة من بواقي الصور المشوشة والغير واضحة المعالم من بقايا حياتنا.
– لابد ان نعيش الام المخاض والنفاس , هذه سنة الحياة .
قال لها وكأنه لم يسمعها:
– ما فائدة التذكير بالماضي, دعينا نستمتع بكل دقيقة في حياتنا.
– أجل , ولكن ارجوك دعني ارمي بحملي , وأبدأ بكلمة صدق.
– كما تشائين.
– أسم عائلتي المعروف , فتح لي الاختلاط بالمشاهير وصفوة المجتمع , لقد تزوجت مرتين , الاولى من ثري جدا وهو طليقي السابق , والثاني هو المرحوم الذي اخبرتك عنه سابقا , كان اخواني فخورين بما أفعله , وكأني بنظرهم سلعة رائجة يجب ان تختار افضل المشترين , لقد عشت في هذا العالم المدهون بقشر الذهب وبداخلي كتلة من الخشب المليء بالسوس , كنت اطلق العنان لأنانيتي , وأمارس نرجسيتي باني امرأة مرغوبة , اشتهيت ان افعل الجنون وأصبحت اتمادى وأتفاخر به , وعندما تنتهي سكرة المال والمنصب يأتي الواقع وتعود نفس القصة لأمنيات أمرآة محرومة من الحب الصادق , كنت اتململ محاولة ايجاد وضعية المرأة , الزوجة , الام , العاشقة , الخاضعة لحبيبها , واحتقر نفسي في نفاقها , لقد هربت من عالمي وعشت في عالم المال , كان
عالم الاحساس والمشاعر أكذوبة بالنسبة لي
لان عالم المال هو العالم السائد أمام اعيني , حتى وجدتك فخرجت من رحم السجن البارد , لم اهتم بأي شيء , لم يعد يهمني المال , تعلمت منك ان أصنع مكان امن للحب , ارقد فيه بكل هدوء وبدون ضباع تحوم من حولي.
– ارجوك اطردي ماضيك , تذكري ان حياتك ليست داخل هذه الزنزانة , انها خارجها حيث الهواء الطلق , كل ما تحتاجين اليه هو الخطوة الاولى , أمسحي كل ذكرى مؤلمة ولنبدأ من جديد.
– لا استطيع.
– لماذا؟
– الامر شديد التعقيد.
– ما المعقد في ذلك, تحبيني وأحبك ونريد الزواج.
– اخاف ان يأتي يوم وتعايرني بأزواجي السابقين وترميني الى شرنقة الوحشة والصقيع , وأنا لا استطيع ان اتحمل دمارا اخر , كما ان اخواني سيرفضون حتما زواجي منك , دعنا نتمهل قليلا حتى لا نفترق ونتجرد من ذكرياتنا الجميلة.
– انظري الى وجهي , هل تلاحظين أي اختلاف بعد ان عرفت عن ماضيك , لقد غضبت في المرة الاولى عندما أخفيت عني ثرائك , لأنك توقعت ان حبي سيكون مختلفا لك من اجل مالك وسلاسلك الذهبية , ولكنك لم تعلمي بان رؤيتي للحب من خلال قلبي وليس من خلال كوم المال او الجنسية وإذا اصررت على حبنا امام اخوانك فأنت من ستربحين التحدي , تحدثي معهم , أقنعيهم لاني اريدك ان تشاركيني منزلي من الان.
لم تصدق ما يقول , ولكنها في لحظة انفعال انثى قالت له :
– سأخبرهم اليوم وليحدث ما يحدث؟
– هل انت بخير؟
– أنا في غاية القناعة والسعادة.
– حقا
– طبعا.
– أعجبني يا “مريم” هذه المقولة لأحد الحكماء :
(مع كل ربيع جديد سوف تنبت أوراق أخرى , فانظر الى تلك الأوراق التي تغطي وجه السماء , ودعك مما سقط على الأرض فقد صارت جزءاً منها , لا تحاول أن تعيد حساب الأمس , وما خسرت فيه , فالعمر حين تسقط أوراقه لن يعود مرة أخرى) لذلك لنبدأ ربيعنا بحضورك معي غدا راس السنة الجديد .
– أصبحت كلمة غدا هي الكلمة المفضلة لي منذ الان , وسوف اضيف عليها (غدا ومدى الحياة معك في سعادة وهناء).

Mariam woke up early in the morning, she contacted her brothers Barrak, Yousseif and Ratchel. she tell them about an important family meeting at her home which located at Central Avenue Wall Street, London. It was a surprise for them because as usual their meeting used to be in the company hall about transaction cloths which they imported as agents in her companies. It was only an hour until they all reached all to her home and asked her what’s the matter? she told them the whole story of her love with “Ma’een”. The cub of coffee fell from the hands of her elder brother Barrak, and said to her with an extremely angry:

قال اخاها الاكبر وهو في قمة الغضب:
– لن تتزوجيه , هو عربي متخلف , غير متحضر من بقايا اشخاص متطرفين وإرهابيين وقتلة , هذا عار عليك وعلينا , أنا اعلم بأنك قوية , كيف تتزوجي من عربي ضعيف , ألا تعلمي بأن معظم الدول العربية تعتمد على الغرب في الحصول على الكثير من المنتجات الضرورية والأجهزة والمساعدات المالية والدفاعية والتكنولوجية , وان الغرب يحمي العرب من بعضهم البعض , ولولا ذلك لكانت بين العرب حروب لا تنتهي , نحن اليهود متفوقين على العرب في القدرة على التنظيم وفي التفكير العلمي مقابل بدائية الحال العلمية والصناعية والتقنية عند العرب.
– لا تحكم على البشر بأديانهم وأعراقهم وألوانهم ارحمني يا اخي , كم من الشمع اذبت لأجعلكم أغنياء بأموالي , كم من الوقت اضعت في عمل لم احبه لأصبح رمادا لكم , اريد ان ارتقي بروحي الى الأعلى , أبدا حياتي الابدية مع رجل احبه ويحبني , كفى من هذه الاتهامات والحقد المتبادل بين العرب واليهود , لماذا لا نعيش في سلام؟
– يالك من فتاة مجنونة , لن يحصل هذا الامر حتى نهاية العالم , أن العرب هم مصدر الفقر والأنانية والانتهازية والفساد المالي والتعصب الديني والمذهبي والعرقي ، والعيش في سجن الماضي ، ,والتحدث عن حضارتهم التي كانت عظيمة في السابق , والهروب من مواجهة مسؤوليات الحاضر والمستقبل , ألا تعلمين بأن هناك أكثر من خمسين مليون عربي هاجروا من بلاد العرب بسبب الفقر الى الغرب , وها انت اليوم تصرين على زواج فاشل دون الرجوع الينا , أن الشعب العربي مليء بالنكسات والثورات وخيبات الأمل , ضعف ما بعده ضعف , فماذا تريدين من عربي تحملين ابنا من صلبه يخرج الى الدنيا وهو يحمل الجنسية العربية .
– أن وجود انسان جديد يحب الاخرين ومشبع بالتفاؤل والأمل هو ما يحتاجه العالم الان ، والسعي لصياغة هذا الانسان هي الطريقة الوحيدة للاستمرار في حياة أفضل.
– لقد غسل عقلك هذا العربي , وبالتأكيد بعد فترة من الزواج سيسرق كل أموالك و يصرفه على نساؤه وجواريه الاخريات وعلى قتل الابرياء وهذه هو تخصصهم في الحياة.
صرخت به وجميع جسمها يهتز اهتزازا خفيفا.
– كفى , لا اسمح لك أن تتحدث عنه بهذا الاسلوب.
– يبدو أن مشاريعك التي نديرها لك جعلك تتغطرسين علينا , ام انه خطأنا الذي جعلنا نوليك الثقة في أختيار ازواجك , ثم من هو هذا الرجل الذين تدافعين عنه ؟؟ وهل يستحق كل هذه المعاناة والأزمات وان يضيع عمرك ومالك معه !!
– نعم , هو البيت والحجر , هو السماء والبحر , هو ميلاد جديد لكل شيء انساني في حياتي , وأنا مستعدة أن اتخلى عن كل شيء من اجله.
– جميع الكلمات رحلت من عقلي , وجف الدم الذي يربط علاقتي معك , ولا أملك غير ان اقول لك كلمة واحدة فقط , لو تم هذا الزواج فانا وإخوانك سنتبرأ منك , ولو كان والدك على قيد الحياة لقتلك.
ضحكت وهي تقول بصوت محمل بخيبة الأمل:
– يا لكلامك المضلل , وهل عندما تم بيعي بالمرات السابقة كنت تعلم بمقتلي في كل مرة !! لقد كان زواجي في كل مرة معجونا بالثراء والمصلحة , الى متى تهينوا اختكم ؟؟
– انت التي طلبت كل هذه الامنيات , ولقد اعطاك ازواجك السابقين اكثر مما طلبت , وكنت تمضي مسرعة الى المجهول , وازدادت سرعتك شيئا فشيئا , لدرجة احسسنا جميعا بأنك ستصطدمين بذلك الافق البارد المخلوط بلون المال والطموح الغير محدود , وتم بالفعل الاصطدام وعانيت في البداية من الفراق , ولكن الاموال انستك كل شيء , وألان احببت الفقر , وحنت نفسك اليه,هل أصابك لوثة الشباب وجنونهم !!
– زدني مما لديك , دعني اخلع عنك معطف الأخوة دعني اجوب الاراضي القافرة كريح تائهة للبحث عن هوية , أين كنتم طوال الوقت , لماذا لم تنصحوني !! لماذا لم يتم ايقافي عن هذا التهور !!هل تعلم لماذا ؟؟ لأنكم ايضا جريتم وراء بريق الاموال ومصلحتكم الشخصية , لقد حان الوقت لأرتب حياتي من جديد , أعود الى غياهب الانثى البعيدة القريبة , اقف امام الناس وأخبرهم شيئا عن حياتي علهم يستفيدون من تجربتي الفاشلة , ولا يصرون على ارتكاب حماقة الجمع بين المال وموت القلوب وهم على قيد الحياة .
– اذا ستفقدين اخوانك , وأنا متأكد حد اليقين بأنك لن تعيشي في ابدية الحب وأوهامه.
– أحب طعناتك لي لأنها لم تأت هذه المرة من الخلف ، بل من امامي وكأني من دم اخر ممزوج بالكره وبواقي الزرنيخ السامة في رابطتنا المحطمة , اريدك ان تعلم بان لو رأت العين غيره لفقدت بصري , ولو كان الحب لغيره لفقدت حياتي ومت بعدها.
خرج من بيتها واقفل الباب بعصبية واضحة , وبقلبه يعلم بأنه لم يكن بمقدوره ان يفعل أي شيء أخر , فهي هذه المرة محقة بكل ما تفعله , وليعايره الجميع بما فعلت اخته , ولكنه مصر على رأيه انتقاما لكرامته اليهودية التي ابت ان يخضعها عربي مهما كان , ثم استرجع بداخله كل الذكريات معها منذ ايام الطفولة مرورا بصباها ثم بشبابها , اتراها تدرك معنى الحياة بعد ان فقدت أخاها , بداخله تمنى ان يلتقيها ليخبرها انها حبيبة قلبه وأخته التي يشتاق اليها دوما وأبدا , ولكن يجب التمسك بتراب العروق التي تحمل دعسات اجداده ودمائهم النقي , وإلا اختلطت بمن هب ودب .
فجأة حل سلام مباغت في روحها , تمطت في مقعدها , ضحكت كعادتها عندما تحس بألم شديد في عقلها , وبررته بأنها استراحة محارب كاد ان يموت بخنجر العشق المسموم , بداخلها مزيجا من المتناقضات قلق وإحباط وتفاؤل , تولدت في دمها رعشات مختلفة لاحتمالات جديدة , فماذا لو لم يتم التفاهم بينها وبين ” معين ” بعد الزواج , هل ستصبح امرأة حمقاء خسرت كل شيء ؟!!
توقفت عن الدوران حول كوكب الفشل منتبهة ان اخوانها لن يعيشوا معها طوال العمر , وأنهم في نهاية المطاف سيتقبلوا زواجها , وان ” معين” هو بر الأمان لها من غدر الايام , وبأحضان حبه الدافئة ستغفو في بحر العشاق , أنها تراه كجنين النور يولد من رحم الظلام يشع بخفوت ضوءًا ذهبيا , يتزايد رويدًا حتى يصبح كشمس ساطعة تخترق قلبها وتعيش بداخلها منيرة لها ظلام الايام وحلكتها.
****

كانت مفاجأة بالنسبة لوالد ” معين” عندما تحدث معه بشأن موضوع زواجه من “مريم ” , فرح من اجله وتمنى له كل التوفيق , ولكن عندما علم بأنها يهودية كان قلبه وعقله متضايقا في البداية , ثم تناسى ضيقه وتذكر أن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تزوج من يهودية , وأن دينه لا يتخذ مواقف مسبقة ضد أحد , ولا يعادي أحدا لمجرد أنه يخالفه في جنس أو لون أو دين أو اعتقاد , أنه يعادي الظلم والفساد والاعتداء على حقوق الآخرين وكل من يدعو إلى شيء من ذلك يعاديه الإسلام , ثم تذكر زوجته الانجليزية المسيحية , أنها أعظم حب باق للأبد في حياته , ولو قابل جميع النساء ووجد بهم صفات خرافية فلا أحد يشبه زوجته.
ولكنه خاف أن يحدث مع ” معين” كما حدث معه ومع والد زوجته الذي رفض أن يكلمه لمدة خمسة سنوات , لكون أبنته تزوجت من عربي , وحاول مراراً أن يتقرب اليه , وأن يسترضيه , ولكنه رفض ذلك , حتى جاء ” معين ” الى هذه الدنيا , فبدء هذا الجد بالحضور الى بيته لرؤية حفيده , ومع الايام تعلق بأحفاده ونسي جنسية والدهم.
حضر ” عزت” بعد فترة وحيا الجميع بهدوء وسكت ولم يتكلم , فبادره والده قائلا:
– ألا تبارك لأخيك خطوبته ؟؟!!
رد عليه بصوت بارد مليء بالغضب:
– مبروك.
أستغرب ” معين” من لهجة أخيه الجافة فقال له:
– ما بالك ؟!
– بل انت ماذا حدث لك ؟؟!!! كيف اخرست عذاب الماضي وارض فلسطين التي أغتصبها اليهود منا.
– نحن في النهاية شعب واحد يسكن كوكباً واحدا, نحن أسرة بشرية مرتبطة بمصير مشترك ومرهونة بأن تكون كنفس واحدة , واذا حدث عكس ذلك فسيضيع هذا العالم النقي ويتحول الى مستنقع مليء بالحروب والكره ورائحة العنصرية النتنة .
– جميل هذا التغير , ولكن هل عقلك الباطني سيتقبل احتلال اليهود اليومي لأراضي فلسطين وتهجيرهم الى دول العالم ليعيشوا القهر والظلم .
– ارجوك لا تخلط بين اليهود والحكومة اليهودية او الكيان الصهيوني , فالحكومة اليهودية مخطأة ومستمرة بالخطأ بقتلها دون رحمة لألف الفلسطينيين وتشريدهم , ولكن ما ذنب الشعب اليهودي في كل هذه الامور ؟؟
– كلهم يتبعون تعليمات قادتهم , فلذلك هم مشتركون معهم بكل ما يفعلونه.
– أنت مخطأ فأبرز الكتاب والشعراء غير منحازين بقضايا الهجرة ، مثل “غرو فيدال ” وجماعات دعاة السلام اليهودية التي لا تعد ولا تحصى.
– ألا تخاف ان تكون زوجتك من الموساد ؟!!! فأنت تعلم علم اليقين بأن مؤسسات جهاز الاستخبارات الإسرائيلي تتبع كل الوسائل والطرق للتجسس على العرب.
– وماذا يريدون مني ؟؟!!
– انت كاتب , والكاتب بالنسبة لهم كنز يبثون من خلاله افكارهم السوداء بأسلوب الافاعي السامة.
– كفى يا عزت , فالحب في حياة رجل وامرأة مرتبط برباط الثقة , وهو مختلف أختلاف كلي عن حب المصلحة او التجسس.
أوقف والد ” معين” هذه المحادثة وقال لهم:
– لقد اكتفينا من كم الاوجاع التي سكنت في قلوبنا , وأظننا جميعا نتطلع الى فجر جديد , فجر مليء بالمسامحة يحررنا من أشياء كثيرة , ويخمد معاركنا الداخليه مع أنفسنا ومع الاخرين , ويتيح لنا فرصة التوقف عن استحضار الغضب والحقد المستمر.
****
تقابلا في اليوم التالي في مقهاهم المعتاد
رأى الذهول في اعينها فقال لها:
– حدثيني عنك بعد لقاء اخوك.
قالت بصوت يحمل تعبا لم تستطع اخفاءه:
– لقد دخلت الى قاع البحر ولاحقتني اسماك القرش وهي لم تكن جائعة بل تخترع العداء لي , لذلك لن اكون امينة معك اذا لم اخبرك باني عدت اليك ولكن كإنسانة محرومة من نعمة الذكريات , وليست الحياة بين المدينة التي غادرتها والسعادة التي سأعيشها معك غير رحلة صمود لأشخاص لا ازل احبهم حتى اخر قطرة من حياتي.
– الان عرفت سر هذا الجمال الخارجي والداخلي الذي تحمليه ألا وهو قلبك الرقيق , لا تحزني فالحزن لا يليق بكل هذا الجمال , ولتعلمي ان هوية هذا الزمن هو الحزن فلا تزيدي هموما على هذا الزمن من همومك , ولا تتشاءمي من أفكار لن تضع الحلول لك , عيشي حياتك لحظة بلحظة ولنبدأ عاما جديدا نحمله بين قلبينا فقط .
سار معها وهو يشعر بسعادة لم يحظى بها من قبل , انها له الان , كانت الأضواء والزينة في شارع “ Oxford Street “ لها مذاق مختلف وهي معه , لقد تحولت هذه الأضواء في المحلات إلى نهار ساطع كلما مرت هي من جانبه.
أصبحت اللمسات الاضافية الجميلة الموجودة في شوارع ” لندن” بسبب العام الجديد يشبه قلبهما وهو يشع كشطري قمر , لا يفصل بينهما فاصل , ولا يمكن ان يحول بينهما حائل.
حضنها وهو بانتظار ساعة “بيغ بن” لإعلان نهاية عام حزين وبداية عام سعيد ، كانت الشوارع مزدحمة في كل أنحاء البلاد ، ويسود الجميع جو من المرح واللحظات الاجتماعية النادرة التي لا يجد فيها أهل “لندن” أي حرج في التحدث مع الأغراب وتهنئتهم بالعام الجديد.
ستبدأ بعد دقائق العام الجديد فسألها قائلا:
– ماهي امنيتك ؟؟
– أن تهيم روحي بالأفق الى احضان قلبك فادخله وأعيش في صدرك الحنون مدى الحياة , ويكون نورك لي جاذبا نحو الفرار من الماضي مهما كانت القيود المكبلة حول شجرة حياتي , لان نهايتي معك ستكون هي البداية , بداية انثى تعيش حياة جديدة مع رجل سيعيد ترميم نفسها بطاقته السحرية للحب والإرادة , وأنت ما أمنيتك؟
– ان تظهر لي جزيرة وتكوني معي فقط فيها , تحتوي على أشجار ملونة وحقول من القمح الاخضر , وكل شجرة وقمحة تخبرني عن مقدار الفرح الذي بداخلي وسعادتي بوجودك معي , وان احاط بأنهار من العشق , وتلال من قوس القزح يغمر وجهك الجميل , وانظر بعيدا فأرى أسراب الطيور وقد عادت تغني عن قصة حبنا , وأشعة الشمس وهي تلقي خيوطها الذهبية فوقنا لتصنع لنا عمرا جديدا مطعما بالمن والسلوى ومغلفا بأوراق السلوفان البراقة.
هل توقف بهم الزمان , هل عادت بهم الحياة الى بداية الحب.. ماذا يجري لهم ؟؟
دقت الساعة معلنة عاما جديدا لكل المحبين في العالم وأطلقت الالعاب النارية احتفالا براس السنة ، ودون تبادل أي كلام , غرقا بالعناق وكأنهم ينهالون هياما من بعضهم البعض , اغمضت عينيها , ثم فتحتهما فرأت وجهه لا يرمش له جفنا دالا على رجل ذاب بعشقها , بجنونها , بكلام عشقها الذي فجرت فيه مناجم الذهب بداخله , بعام جديد ستبدأ معه , عام لن تضيفه الى سنوات عمرها بل الى سنوات من حياتها الجديدة معه.

ذهبا في دورة بطيئة في “ London Eye” تستغرق نصف ساعة ، لمشاهدة الاحتفالات من اعلى منطقة في ” لندن”, نظر اليها وكسر حاجز الرهبة والتمنع بداخلها , وانقض على شفتيها يعصرهما بشفتيه ولسانه ينزلق في فمها , شعرت بكل احساس جميل وغامض داخل روحها , أحست بان قلبها يريد ان يقفز من هذه العجلة ليموت بين يديه , بعد دقائق ظل ساكنا ومؤدبا في شان الجسد , ولم يمسسها بلغة فاضحة او يحاول ان يطفئ فيه جمرا ملتهبا كان يحرقه , ثم قال لها:
– غدا في الصباح الباكر سنتزوج , وتعيشين معي ايتها الحبيبة مدى الحياة.
طلب منها ان تحضنه , وفتح لها ذراعيه , فما كان منها إلا ان استجابت لمطلبه دون أي اعتراض. استشعرت بدفء جسده , فأسندت رأسها على كتفه , ثم أحاط خصرها في ارتباك حذر , أنتفضت بين ذراعيه في أول الأمر , إلا أنها التصقت به كالتصاق الزهور بفصل الربيع , امسك بيدها وقال لها:
– امسكي بضلعي فهو جزء من جسدك الان , لذلك أوعدك باني لن أخذلك في يوم من الايام فأنت مني وأنا منك , وإذا أحسست بان حبي لك قد ضعف فسأعيش ناقص الاحشاء , ناقص الإدراك وناقص الاضلاع.
اتفقا معا على عد النجوم , بعد ان نسيا ان الارض بجمالها وناسها ما يزالون يشاهدونهم بشغف العشاق والاشتياق للحب الصادق .
أشار لها على نجمة صغيرة براقة وقال لها :
– سوف احفر اسمك على هذه النجمة, لقد أبهرتني تلك النجمة بما تظهره من جمال بين جميع النجمات.
– ولكن ماذا سيحدث لو تحولت هذه النجمة الى ثقب أسود واختفت عن هذا الكون !!.
– لن يحدث هذا , لأن روحك دائما متلألئة في السماء كأسطورة دائمة من اساطير الكون , كمصباح لا ينطفئ مخصص للعشاق منيرا لهم المعاني الصادقة للحب.
هبطا من العجلة , وتمنت أن تختفي هذه الزحمة القاتلة , وان يلفها بقلبه تحت قميصه , بحيث يخفيها عن اعين الاخرين , ثم يأخذها في انحاء ” لندن” ويغسل جرحها بأحجارها المعبقة بالتراث , ويلفح وجوههم هواءها المنعش البارد , ويذكرهم بان لا يوجد شيء يتأسفان عليه في هذه الدنيا إلا اجترار الذكريات الاليمة.
الفصل العاشر
…………….
نقاط الزواج

حظي الرجل بأجمل زهرة منحها الله له ألا وهي المرأة , ولو سمح لجذورها بان تتقوى وتتشعب في أرضه , لأصبح من الصعب ازالتها من حياته حتى ولو اجتمع كل الخلق عليها.
كانت حفلة زواج بسيطة معزوما عليها الاصدقاء المقربين فقط , وأخفوها عن الصحافة بجدارة حتى لا تحرجهم بأمور صفراء مستندة على المبالغة والتهويل وعلى الإشاعات والأخبار المحرفة .
لم يحضر أخوان ” مريم” , ولم يحضر أخ ” معين ” , وكأنهم أتفقوا معا على رفض فتح صفحة بيضاء.
ظهرت ” مريم” كصبية عذراء فاتنة تلبس العقيق والصدف وتهفهف من فستانها رائحة أنثى خطفها فارسها من بين جميع النساء , كان ” معين” يتأبط ذراعها كالمنتصر من بعد حرب ضارية , ومن خلفهم كانت صديقتها ” MIA ” ترش عليهم من ازهار القرنفل الملونة.

كانAnthony سعيدا بهذا الزواج والقى خطبة بسيطة معبرا عن مشاعره الحقيقية لمعين قائلا:
– ما أكثر الاشياء التي أتمنى ان اقولها لك , ولكن دعني اخبرك بأنك كنت صديقا وفيا لي في احلك الامور وأشدها , لقد كانت رحلتنا في هذه الحياة كطريق مليء بالإخلاص والثقة ولا نعرف نهايته , وفجأة ظهرت حفرة مليئة بالأشواك والثعابين ولا يراها احد , فإذا بشخص ما يدفعني في اتجاه هذه الحفره , ففقدت التوازن وقاربت على الوقوع , فالذي دفعني ابتعد عني واخذ يضحك على الموقف الذي كاد ان يقضي عليك , وكنت انت من أنقض علي وسحبني بكل ما اوتي من قوة لكي لا أقع , شكرا على وقوفك دائما بجانبي , ثم سرح قليلا وتذكر كيف اوقفه ” معين” عن تعاطي المخدرات في سن المراهقة , وهدد أصدقائه بتبليغ الشرطة في حال اعطوه أي حبوب مخدرة , لقد تعلم منه ان يكون قويا بالحق وجريئا في رفض الاخطاء ولا يخاف الظالم .
كان والد” معين” سعيدا بما يحدث حوله , وكأنه درع قوي مخصص لحماية هذا الحب المتوج بالسعادة , ثم توجه الى “مريم” وحضنها بعد ان شاهد حزنها لعدم حضور أخوانها , وقال لها :
– اليوم غمرني الله بعطفه ولطفه ورزقني بابنة , لذلك لا تجعلى شيئا يكسرك , واستمدى من الالم قوة , اذا وقعتى لا تستسلمى ابدا وانهضى سريعا و اكملى مسيرة حياتك , وتذكري بأن لك منذ الان ابا يمتلك بحار ومحيطات الارض من مشارقها ومغاربها , وهو يعطيها لك مقابل عودة الابتسامة الى وجهك.
أبتسمت ” مريم” له , وقبلته على خده وقالت:
– أبي, تلك الكلمة الصغيرة في حروفها العميقة في معانيها, أن هذا لشرف عظيم لي بمنحك هذا اللقب لي , لقد جعلت جميع جوارحي سعيدة به , شكرا لك يا ابي.
في قرارة نفسها أصرت أن تنسى الاحزان وتجعل كل حروفها أنغام وضاءة وفرحة تنشرها في قلبها وقلوب الاخرين.
ذهبا الى Lake District لقضاء شهر العسل , حيث المشاهد الطبيعية الخلابة كالشروق والغروب ، والبحيرات المتنوعة الصافية والتي لم يمر عليها أي نوع من انواع التلوث الارضي والبشري.
كان صوته مثيرا وهو يسألها اذا كان الكوخ الخشبي الذي اختاره لقضاء شهر العسل مناسبا لها , فأجابت قائلة:
– طبعا اختيار حبيبي وطيفي بعد أمطار الشتاء , ولو كان هذا المكان أرض جرداء وأنت معي فيصبح رمز الجمال في قلبي , ورمز العطاء من شخص تربع على عرش احلامي.
دخلا الى الكوخ , أغوته ببهاء بعطرها الربيعي الذي تضعه , اشعلت فيه نار الرغبة وهي تبدي له جموح جسدها في ضوء الشموع الناعسة , اشتعل عقله متخيلا لحظة اللذة وغور اشتهاءها , فضمها اليه قائلا :
– اريدك ان تدلليني , اريدك هذه المرة ان تقبليني.
قال كلمته الاخيرة ولم يتوقع ردة فعلها عليها , كانت الاستجابة مليئة بالشوق اليه , واستطاع كلامه المثير أن يكسر كل حواجز التمنع فانصاعت اليه وهي خجلة , ولم تدري إلا وقد زال من امامها الحاجز الضبابي , فكان ما بينهما من لذة الوصال , ونشوة الحب كمطارق مستمرة تطرق على اجسام ناعمة تتمتم بأصوات تضيء لهيبهما المتقد.
منذ حادثة زوجته صار يتخذ وضعية الجنين في نومه , لعله يجد النقاء والبراءة والصفحة البيضاء الخالية من أي ذنب التي الفها يوما ما حين كان جنينا.
أستيقظ وعينيه تجول في جسمها , ثم مد يده ليلامس رقبتها , بحركة لا ارادية قبلت يده ووضعتها حول خصرها , ازاحها بهدوء ونهض من السرير , أن رائحة جسمها العذب المخلوط بالعشق والهوى الاصيل لم تفارق عقله طوال الليل , ورحيق انفاسها جعله يشم رائحة اللافندر ولونه الزاهي في منامه , أعاد النظر الى المنظر الذي أمامه , امرأة رائعة بقميص نوم شفاف يظهر تضاريسها المثيرة , تعيش معه وتعطيه دروسا في الحب والسعادة في كل لحظة , ثم نظر الى الطبيعة الفاتنة التي امامه الممتدة على افاق البصر , امسك بقلمه الرصاصي لكي يتأكد من واقعية الاشياء , وأنها ليست خيال من وحي روايته الجديدة.
فتح النافذة, كان الجو دافئا, والشمس مشرقة, رأى البحيرات والرمال يشكوان البعد في القرب, ويكتمان القرب في البعد, فهما لا ينفكان متلاصقين متباعدين شان النهار والليل.
ذهب ليغتسل , وبداخله كان يحمد الله على هذه النهاية الجميلة لحب طاهر , ادار محبس المياه وشعر به باردا , صافيا واتيا من اعماق البحيرات , غنى بصوته الخشن أغنية “Endless Love” :
(My love there’s only you in my life .The only thing that’s right)
ثم نظر الى رذاذ الماء المتناثر من حوله , أنه يحبها بعدد كل قطرة تسقط على جسمه , وتذكره بأسطورة فرهاد وشيرين ، الشهيرة في “تركيا” ، والتي يقوم فيها فرهاد، باختراق الجبال والبحار ، من اجل الوصول لعشيقته شيرين , انه في هذه اللحظة يريد ان يخترق جميع قطرات المياه وبحرارة قلبه يحولها الى سحابة ربيعية خالية من الرعد يستظل من تحتها وهي بحضنه وتسبح بهم حول العالم من أوله إلى منتهاه.
مشى على اطراف اصابعه محاولا عدم إيقاظها ليتأملها وهي نائمة كفراشة متناسقة الالوان , نظرت اليه بعين نصف نائمة وهو بمنشفة الحمام يحاول ان يمسح بقايا المياه من جسده العاري , كانت عواطفها في حالة من الغليان , تأملت صدره المكسو بأشعار ناعمة سوداء تبث إشعاعات ضوئية ، اشتد لمعانها حين أقترب منها وغمر عيناها بسهام حبه الطاهر.
تمدد الى جانبها محاولا الغوص الى أعماقها , كانت حين تنام كوردة مخبئة داخل مغارة تنتظر من يقطفها , وكطائر يمد جناحه ليطير الى عالم السماء الواسع ويحتاج الى من يساعده على التحليق بلمسة جميلة لريشه , تلامست ارجله بأرجلها , ثم حدثت شرارة الاشتعال التي لم تخمد منذ الامس , و كأن جسديهما وروحيهما متصالحين ومتساويين في القيمة والجوهر مما أخرج جميع الرغبات القديمة المحجوبة في أعماقهم على شكل ينابيع من التنهدات وبراكين من العواطف.
بعد ساعات قامت من سريرها بعد ارهاق ممتلئ بالسعادة , استيقظ فورا وهو يسمع صوتها بداخله , تأمل جسمها , آه ما اجمل جسد المرأة , السيقان, الخدود, النحر , الذراعيين , اللون الأسود الغامق في عينيها , رموشها , حواجبها , اللون الأحمر الخافت في شفتيها , خديها , أظافرها , وأخيرا جسدها المليء بالانحناءات والذي يشبه بمخيلته “أفروديت” رمز الحب والجمال والخصوبة في الأساطير اليونانية , شكرا لك يا رب على هذه الهدية الجميلة التي منحتها للرجل.
قالت له بخجل مثير:
– لما لم توقظني لأعد لك ملابسك وقهوتك؟
– لقد كنت صريعة الهوى , ولم ارد ان ارى محبوبتي وهي مرهقة في صباح يوم جديد , هل تسمح اميرتي بفنجان قهوة من صنع يدي.
اتى ومعه كوب واحد فقط , شرب منه رشفة وشربت هي الرشفة الاخرى , كان موقع فمها على الكوب يجعله يتذوق متعة الاغواء والاشتياق اليها طوال الوقت.
ذهبا الى بحيرة Bassenthwaite Lake الاشهر في تلك المنطقة والأجمل , كان اغلب نزلاء الفنادق والأكواخ يتجولون على رمالها , اما الذين جاؤوا من المدن القريبة فوضعوا خيامهم بالقرب من البحيرة , وجلسوا يتأملونها , لم يعد هناك ثمة صخب سوى صخب المياه الذي اخذت تنحسر عن الرمال.
وجدت نفسها في هذه المكان تعيش سعادة لم تعشها في جميع رحلاتها حول العالم , وجدت نفسها تفكر بمعين بحيث بات محور تفكيرها وهدفها الاوحد , وستعقد معه صفقة حب بصفتها امرأة أعمال , ستكون صفقة بين قلبها وقلبه , بحيث يدعها ترتوي من بحيرة حبه وعشقه , وهو يأسرها ما تبقى من عمرها بكلامه المعسول ويهبها مشاعره وأحاسيسه بدون حساب مدى الحياة .
لم يكن بمقدورها مغادرة هذه البحيرة بذات السهولة التي قدمت فيها اليها , ايعقل ان يكون زواجهما قد الغى جميع الذكريات التي حملتها مرورا بطفولتها , وشبابها , وانتهاء بحياتها والإخفاقات المتتالية الغير مستقرة التي مرت عليها.
كان حبهما عاصفا , لا يتعب من الكلام والغزل والولع , كانت جلساتهما تمتد لساعات امام البحيرة , يتكلمان , يصمتان , يتأملان , ولا يملان , وفي هذه الاجواء احست بأنها حورية غادرت البحيرة الى حين , فألقت بحذائها وحقيبة يدها , ثم تقدمت نحو البحيرة بخطى ثابتة وكأن شيئا خفيا يسيرها وجلست على اطرافها , جلس بجانبها , وأياديهم تداعب الرمل وأقدامهم الحافيتين مغروستان فيه , ثم سألها على غفلة:
– لماذا لا تذرفين الدمع , حتى في احلك اللحظات التي مرت علينا من هجر وفرح وسعادة , عجبت من قوتك .
– الدموع هي نور ونار في نفس الوقت , نور يضيء الدنيا بهجة وسرور في حال السعادة وهي نار اذا شعر الانسان بعدم التقدير او الخيانة , كنت متألمة من حياة امي وكيف قسا عليها والدي , كنت بحالة غضب شديدة عندما اتخذها كزوجة صورية , وقلبه متوجه الى عدة نساء لا حصر لهم , كانت تبكي دائما أمامه وأمامنا لما تتعرض له من الم كبير وظلم اجتماعي وهجر في السرير , كان تواطؤا مني في محنتها ان لا ابكي في حياتي مهما حدث لي وعندما توفيت , بقي هو يحاول ان يهدأ روحها المظلومة بالتبرع الى الجمعيات الخيرية باسمها , وكان يراها كل يوم تنام بجانبه بكامل ملابسها , وتنفسها بطيء حزين يدل على قهر شديد , حتى توفي وهو يصرخ باسمها , ولو رجعنا الى المنطق قليلا فالبكاء شيء غريب , فعندما نرى احبابنا بعد فراق نبكي , عندما نتزوج نبكي , عندما نفرح نبكي , صار البكاء دخيلا على ارواحنا.
اقترب منها وجلس يمسح شعرها بحنان لم تشعره من قبل , لم تتوقع من يد بشرية ان تسكب كل هذا الدفء والشفاء في روحها وقال لها:
– ما الحياة سوى لحظات قد تطول او تقصر , ويجب ان نقضيها في سعادة , ونثور على مشاعرنا السلبية , ثم أقترب من رجل يبيع الزهور , فاشترى لها زهرة ” زنبقة الوادي” وقال لها كوني مثل هذه الزهرة بيضاء صافية , نقية , وتشبه الجرس الصغير الذي يهتز لكل ما هو جميل , وبسيط وطبيعي.
أحس بضرورة مصارحتها بما يجول بخاطره فقال لها :
– كان هناك سؤال يتردد بين فكري وقلبي , ولم أجد له إجابة شافية تكفيني عذاب السنين وتروي عطش العشق المكنون في قلبي , هل سأحب مرة أخرى بعد وفاة زوجتي !! إلى أن وجدتك , إلى أن عرفتك , إلى أن أحسست بنبضك , أنتِ فقط دون كل الناس , و بما اننا تصارحنا على عدم تخبئة الخصوصية والأسرار التي في قلوبنا , فلتعلمي بان دمعتي غالية جدا وذرفتها في مناسبات عديدة , وهي ليست قلة حيلة كما يدعي البعض , فالرجل ما هو إلا بشر من حقه ان يبكي ، ومن حق دموعه ان تجد مكانا اخر بعيدا عن قسوة الحياة التي أتعبتني من تحمل أثقالها , كنت مع زوجتي وان اقود السيارة , وكانت تتناقش معي بشأن الانجاب , وذلك بعد ان أخبرها الطبيب بأنها عاقر ومن المستحيل ان تنجب , وكانت تريد مني أن اتزوج بامرأة اخرى للحصول على الطفل الذي اتمناه , كنت معترضا على هذا الكلام , وأخبرتها باني تزوجتها لاني أحببتها ولم أنظر اليها كآلة لتفقيس الأطفال فقط ، فإذا لم تقم هذه الآلـة بمهمتها فمن الأفضل استبدالها بغيرها , ولكنها كانت مصرة على هذا الموضوع , ولأول مرة ارى هذا العناد في ملامحها , ومع عنادها الواضح نظرت الى اعينها وأخبرتها بأن الاطفال هم نعمة من الله ولكن النعمة الاكبر هي وجود زوجة مثلك , انت الاصل والفروع والجذور , أنا احبك لنفسك , لذاتك ,أحببتك لأنك أنت وليس لأنك ام اطفالي , فالأطفال يكبرون ويصبحون رجالا ويهجرون العش ولا يبقى في النهاية إلا انا وأنت , كيف تكون السعادة بدونك ؟!! لماذا نجري وراء المشاكل والهموم ؟؟ دعينا ننسى هذا الموضوع !!
– … مع انفعالي بشأن هذا الموضوع , لم انتبه الى لوحة التحذيرات الخاصة بالحفريات التي أمامي فانقلبت السيارة بنا , وبثوان قليلة انقلبت حياتي الى جحيم , كانت مغرقة بالدماء , زوجة غائبة بحادث شنيع , صامتة تنظر لي بذهول , احاول جاهدا ان اشعر بنبض صغير من قلبها يعيد لي الامل ولكن لا فائدة , في الواقع لقد قتلتها , ازحتها من حياتي , وتسببت في وضعها في حفرة داخل الارض.
هالها شحوبه , كان قلبه يتقلص بقوة متكهربا من ماض لا يزال يبصره في منامه وفي صحوه .
حل الصمت عليهم , مشيا بمحاذاة البحيرة , وكان يداعب اصابع يديها بلمساته الناعمة مخفيا دموعه التي تكاد ان تضيف الى البحيرة ماءا صافيا كالألماس.
ارادت أن تركع وتقبل الارض التي سقطت عليها دموعه وتخبرها ان تسجل على ترابها بأن هذه الدموع سقطت من أرق انسان شاهدته في هذه الدنيا , وان هذين العينين اللؤلؤتين الممطرتين هي نور عيونها المحفورة في جفونها والمغلفة بالنجوم والقمر والشمس.
انها تحس في كل لحظة ان ” معين ” لا يوجد له مثيل , أنها تعلم الان ان أحاسيسه الحقيقية ومشاعره الفياضة ستبقى في قلبه الى الابد ولن تتغير , لن تعترض بعد الان على أي مشاعر يخزنها لزوجته السابقة , ما اجمل ان يكون لديك فى هذه الدنيا شخص يحافظ على العهد , وفيا للعشرة , يحبك حتى بعد رحيلك .
قالت له وهي تحس بضرورة تغيير هذا الموضوع الشائك:
– الاعمار بيد الله , هذه مشيئة رب العالمين , فكل ما حدث لكم هو قضاء وقدر , وأنت لم تتعمد هذا الحادث , ما بك تقتل نفسك بتلك السموم المسيطرة على عقلك , لماذا لا تفكر بالحياة تفكيرا شموليا , فالحياة هي الحياة , الحياة فن , يجب ان نتعلم منها استنزاف حلاوة كل لحظة , حاول ان تسأل نفسك في حال اذا أغلق الشتاء أبواب بيتك , وحاصرتك تلال الجليد من كل مكان , ماذا ستفعل ؟؟ هل ستتجمد ام ستبدأ على التو بإزاحة تلك الثلوج لتفتح نافذة أمل, لو أخطا كل انسان وتعذب مثلك , لمات كل البشر من لسع سياط ضمائرهم , ارجوك يجب ان ننسى الماضي ولا نسمح له بتغير سلامنا الداخلي ونخر اعصابنا في العمق وإلا اصبحنا هياكل فارغة تنتظر القبور , دعنا نعود الى الادمان اليومي لنا ( ألا وهو عشقنا).
كان كلامها صافيا , فيه قوة شفاء حقيقية , شجعه ليعلق عليها قائلا:
– اتمنى ان نرتمي على هذا العشب الاخضر ونمارس لغة الحب الروحية الجسدية لنتخلص من هذا الضيق الذي اصابنا ؟؟
أبتسمت له وقالت:
– هل تقصد أن الضيق سيختفي حين يلتحم عاشقان وتحضنهما نشوة واحدة للانطلاق الى فضاء نوري في السماء يشتركان فيه بالروح !!
– لا , ايتها الماكرة , لقد اخطأت التعبير هذه المرة , لقد قصدت لغة الحب الجسدية التي يتخللها في نهاية المطاف راحة للروح من شهوة عالقة فيه.
– اه منك , دائما تأتيني كلماتك على استحياء , على دفء , كعشق طفلة لعروستها , وكلامها معها بكل أمورها المخفية.
– لقد غدا حبي معكِ أجمل حكاية, ووجدت فيها كل ما أشتهي من السعادة والرفاهية, لنمش معا حتى نصبح جزءا لا يتجزأ من هذه الشوارع الجميلة.
– وإذا تعبنا؟
– قلبي سيكون محطتك للراحة.
– وماذا سيكون بداخل هذه المحطة ؟؟
– كتب متراكمة تتحدث عن الرومانسية… Gone with the Wind , Redeeming Love , Outlander , love in the Time of Cholera والآلف من الروايات أهديها لك.
– لا اريد أي وسيط في قلبي , سوف احرق هذه الكتب .
– لا باس , لاني سأجعل رمادها يتحد مع جسمي , فادعك تكتشفين محتوياتها الناعمة والرومانسية كقطعة سكر ذائبة في فنجانك.
– لنذهب الى مطعم L’Enclume , لقد أخبرني الفندق بأنه مطعم خاص للعرسان بجوه الاسر.
كان المطعم مبهرا بديكوراته الجميلة والذي بني على التراث الانجليزي القديم , وكان عازف الكمنجة يعزف It’s not goodbye للمغنية Laura Pausini , بلحنها الجميل والهادئ , كان المكان ساحرا بوجود الشموع الحمراء التي تحيط بهم .
نظر اليها و كأنه يرى البدر جالسا امامه ومخلوطا ببريق الشمس , ثم قال لها:
– قد لا تصدقين انني في اللحظة التي رايتك فيها , قلت هذه هي الزوجة التي سأعيش معها طوال عمري , وقلت في نفسي , اذا تحقق هذا الحلم , سأتخذها سكنا , وعالما نقيا اعيش خلاله.
– لقد تطور حبي لك ولم تعد الفواصل او المسافات او المشاعر تفصل بيننا , هل تسمع صوت الكمنجة !!! إن هناك سحرا عجيبا غامضا في أوتارها , إنها لغة بدون كلمات ، أو هي كلمات بدون لغة ، أنها صوت يزيد التفاؤل بالحياة , ويعلن عن ميلاد رجل تربع على عرش قلبي , وغرد بحبه الحان العشق والهيام.
– يا لها من الحان جميلة تضاف الى كم المشاعر التي بيننا , اذا فلتسمح لي اميرتي بان اهديها هذه الهدية التي هي عبارة عن كتاب للشاعر الفرنسي “الفريد ديه موسيه” بعنوان (قصائد قديمة وجديدة), وأريدك ان تقرأءي أسلوبه المنمق بالرومانسية والمشاعر المرهفة والأحاسيس القوية ، حيث تمرد على القيود الكلاسيكية في ذلك الوقت وتبنى المذهب الرومانسي الذي يدعوا للحرية , اريدك دائما متقدة الذهن , محبة للمعرفة , قارئة , كاتبة , كثيرة الاسئلة وسأكون لك خير مجيب وطبيب.
– لقد افسدتني بكثرة الدلال والرومانسية , فأصبحت جانحة الخيال ومدمنة لكلامك , متلهفة الى حضنك الدافئ في كل ثانية اراك امامي.
– انت حوريتي , أنت لست امرأة من دم ولحم بل انت ملاكي الهائم بك, والمأخوذ بنورك , نحن لا نخاف ادمان بعضنا البعض , بقدر ما نخاف الالم الذي يسببه الانقطاع عما ندمنه.
جاء الطعام ونظر “معين” الى المطعم وكأنه قطعة فنية , كان هناك موقد في الركن بألسنة حمراء يتسرب دفئه الى ضلوعهم , ولوحات عن البحيرات , وكأن لغة الحواس اندمجت مع عقله وجعلته يعيش حلم مخلوط بألوان قوس قزح يحفر بداخله نهرا من الجمال والضياء , ومع ان المكان بسيط ولكن عندما نكون مع من نحب , يصبح اروع وأجمل , لقد أضاف وجودها في حياته ذكريات عن الحب كانت غائبة عن عقله وعادت أقوى وأعمق بلمح البصر.
اتت طفلة صغيرة بجانبهم واقتربت من “مريم ” , كانت الفتاة قد ورثت من عيني امها اللون الاخضر الفاتح , والشعر الاشقر الجميل , وتورد وجنتيها الاحمر الدائم , قبلت “مريم ” يدها وتمنت ان ترزق بفتاة مثلها تشبه ” معين ” في ابتسامته العزيزة , همته العالية , نظرة عينيه الثاقبة , وتنوره بمساحات الحب والعشق.

الفصل الحادي عشر
…………….
نقاط ما بعد الزواج

إذا تزوجت المرأة من الرجل الذي احبته , فأنها لن تذل رجولته ابدآ وستسير معه في كل الدروب الشائكة لو كان فقيرا , وستصعد معه الى النجوم وتلمعها له لو كان غنيا , وفي كلا الحالتين ستكون سعيدة بما تفعل.

كانت شقته التي تعيش فيها مليئة بالزرع الاخضر الذي يتسلق الحائط للدلالة على جمال الطبيعة التي تتراقص من حوله , بجانبها مكتبة مصغرة , وعلى عكس ما تكون عليه المكتبات عامة من ظلام خافت , بدت الغرفة مشعة بألوان مبرقة , فكرت انها هندسة الاضاءة , ولكنها علمت بأنها بنات افكاره تسبح في الفضاء فتلمع كالنجوم , كانت كتب مختلفة تبدأ بكتاب “موقف من الميتافيزيقا ” لزكي نجيب محمود , وجميع كتب نجيب محفوظ , ورواية “الغائبون” لدانيال ماندلسن ، ورواية “في مقهى سن الشباب الضائع” لباتريك موديانو ،وسيرة ذاتية تدعى “اسطنبول” للكاتب أورهان باموك ، وفي مقدمتهم القران الكريم محفوظا في اعلى المكتبة وبجانبه التوراة والإنجيل وكتب أخرى مختلفة , موغلة في الغرابة والحداثة والقدم والعظمة.
في اعلى المكتبة صورة له بالرداء الفلسطيني الضيق عند الصدر والذي يتسع ابتداء من الخصر
إلى القدمين وهو يشبه الروب حيث يربط أحد طرفيه في داخل الطرف الآخر بقيطان , كان هذا اللبس يظهره بوجه مضيء وشفاف ومتفائل بالغد , ان هذه الصورة تدل على تمسكه بجذوره وتفاخره بها , أنه لا يزال يحمل بداخله ثروة جميلة من العادات والتقاليد لم ينساها مع انه عاش جميع حياته في بريطانيا , كان وسيما بأي شيء يلبسه لان الوسامة بنظرها هي وسامة العواطف وليس وسامة الشكل , فالإنسان يتعود مع الوقت على الوسامة كما يتعود على القبح وتبقى فقط اخلاق الشخص الجميلة الذي تعيش معه مدى الحياة.
على الثلاجة وضع شهور السنة الجديدة مكتوبا في كل شهر فيها (بداية حب جديد متدفق وعطاء), كانت غرفة النوم تحتوي على غطاء لطائر ملون ينشر ريشه الجميل في كل انحاء الغرفة.
وضعت دميتها الصغيرة التي تشبه الطفلة الحقيقية حتى بالملمس في وسط السرير لتزويقه وللإحساس بالأمومة التي قتلها غيابها.
انها فخورة بشقتها الصغيرة , وأنها لتباهي به جميع شجيرات Rosmarinus في جميع السفوح والتلال , وتباهي بها جميع العروش في جميع ممالك الارض.
أصبح يمارس معها الحياة بسعادة تامة , يتشاركان في تحضير الطعام , يخططان لمستقبلهما معا , يحضران افلاما ومسرحيات , كانت متجددة معه في كل لياليهم الدافئة فكانت تلبس ما يروق له من الثياب المغرية , وفي نفس الوقت تناقشه نقاش المثقفين وتخاطب عقله فهذا الامر يثير مشاعر الرجل , لان الرجل يمل من المرأة الواحدة في شكلها وهيئتها.
كانت تتغزل فيه بكل حرية , بكلمات حلوة عن مظهره , كلامه , اسلوبه , بدون ترتيب وبعفوية واضحة , فهي تتحدث من قلبها دون أي تعقيدات , وبمشاعر صادقة.
أنها تعلم أن الرجل يحب المرأة التي تظهر عواطفها ولا تخفيها , ولا يحب المرأة الكثيرة الشكوى والتي تتلقاه عند الباب لتلقي إليه بأكوام الشكاوي , فكانت تطرح همومها عندما تحس بان طريقها اصبح مسدودا وفي الوقت المناسب وبأسلوبها الساحر معه.
ايضا هو استطاع ان يعرف المعنى الحقيقى للزواج والغاية منه , فكان حبه لها قائما على المودة والتشاور والتعاون فاستطاع ان يتجاوز الخلافات الصغيرة التي تحدث عادة في بداية الزواج وان يكون تقيا كريما يحفظها ويعى قدرها .
أصبحت تستيقظ مبكرا , تحضر له الفطور , فيذهب هو الى قهوته من اجل اكمال روايته الجديدة , وهي الى عملها.
لقد عادت الى عملها ولكن بحلة جديدة , عادت وبيدها خاتم يرمز الى بدء حياة جديدة مع من تحب , كانت ترخي ستائر مكتبها حتى لا يرى احدا ابتسامات العشق الظاهرة منها , تسرح مع نفسها ولا تدري ما يعتريها من احاسيس , وهي بعيدة عنه تحس بأنها تفقده في كل ثانية , ولا تستطيع منع نفسها من التفكير فيه , حتى نفسها نستها , لقد صار اساسا في تكوينها الداخلي بروحه التي لا تفارقها.
كانت تعلم بان اخوانها غاضبين منها ولا يزالون مقاطعين لها , وان بعض الصحفيين لا يزالون يكتبون عن زواجها الغريب من عربي بعد ان علموا عنه , ولكنها بذكائها وخبرتها السابقة في الحياة ستتفادى أي شائكة تحدث لهم , وتجعل ” معين ” عصفورا حرا يغرد في كل مكان دون ان تحبسه بقفص همومها وشائعات الصحافة التي تطاردها.
في طريقها الى بيتها , كانت ترسم على الطرقات موسيقى خاصة بهم , لا يمشي عليها إلا هي و “معين” ترقص معه رقصة تعتمد على ايقاعات يتخللها موسيقارها المفضل ” ياني كريسماليس” التي تنبض lموسيقاه بالنغمات والأصوات لثقافات شعوب الأرض ، كانت آلة الديدجاريدو الأسترالية وآلة دودوك الأرمينية والكمان الجميلة هي مصدر هذه النغمات الصادرة من مخيلتها, كان امامها وقد وضع يده على ظهرها , ووضعت هي يدها على كتفه , عيناه فى عينيها , صامتين ولكن قلوبهم هى من تتحدث عن اشتياقهم وعن لوعتهم المستمرة للحب.
كان العش الذي يجمعهم بنظرها أفخم من جميع القصور التي عاشت فيها لاحتوائه على جو فريد من النقاء والشفافية , كانت تردد عبارته المشهورة في بداية كل رواية يكتبها (بالحب اردتها لنفسي وبالحب سأضعها في قلبي وبالحب سأعيش معها حتى الممات) هذه العبارة اخذتها الى عالم جميل , وتفكير لا منتهي , اخذتها الى رجولته الصادقة والى رفضه الشديد ان يعيش تحت ظل امرأة تصرف عليه , رفضه ان يعيش في قصورها , رفضه ان يأخذ أي شيء من مالها , كانت هذه شروطه ليعيشان معا تحت سقف واحد .
في الطريق مرت على المكتبة وأحضرت له كتابا لكاتب عربي يتحدث عن فلسفة الحب , لقد كانت تحضر له بين الفينة والأخرى كتبا نشرت حديثا أو قديما وتقرأها معه بحب وتمعن لتدخل الى قلبه وعقله.
كانت جارتهم الانجليزية امرأة كبيرة في السن و تهتم بمريم , فمرة تعلمها طبخة انجليزية , ومرة اخرى تصنع لها قناعا لوجهها من الخضروات والفواكه , لقد اصبحت فردا اضافيا ومميزا في عائلتها , وذات يوم قالت لها :
– لا ألوم الأيام على تغير ملامحي و إنما الوم نفسي على عدم الانجاب من الرجل الذي أحببته , ولكني أشكر الله على انه جمعني بك في هذه البناية , فأنت بمقام ابنة لي مليئة بالحب و العطاء و الحنان.
شكرتها على كلامها اللطيف , وبداخلها أمنية شديدة ان تكون اما من حبيبها ” معين” , أمنية تتوارى خلف ستار شفاف سيأتي في الوقت والميعاد المناسب الذي يقدره الله لهما.

****

عاد من عمله فوجدها بربطة شعرها الزرقاء الصافية تنظف غرفة الجلوس , تأملها , فكر بها , أحس بها , قام اليها وحضنها واخبرها بأنه يريد مساعدتها.
قالت له وهي تود أن تقبله في جميع انحاء جسمه :
– نعم أريد مساعدة منك , اريدك في عقلي وقلبي , تحميني , تمنحني القوة , تصبح عالقا في ذكرياتي ولا يمكن أن تزول منها مهما حدث.
– شكرا لك, وللمعلومية فالكتاب الاخير الذي أحضرتيه لي ” فنان الجوع ” لفرانس كافكا رائع بالفعل , أن كتابات كافكا قد تعرضت فيما بعد للحرق على يد هتلر ، وتعرضت مؤلفات كافكا لموقفين متناقضين من الدول الشيوعية في القرن الماضي ، بدأت بالمنع والمصادرة وانتهت بالترحيب والدعم , ولكن الأجمل من محتويات هذا الكتاب تلك الملاحظة المدونة في نهاية الكتاب !!
– اية ملاحظة؟
– لقد كتبت ملاحظة تحتوي على اربعة امنيات ألا وهي:
– (أن انجب ولدا يشبه ” معين ” وأن ارى اخواني بعد طول غياب, وأن أعيش معه طول العمر , وأن أذهب الى اعجوبة Stonehenge لرؤية هذه الاعمدة الغريبة)
أخبرته وهي تبتسم :
– أنها مجرد اماني جانحة كتبتها في الطريق بشوق وتسلية لتمضية الوقت , و شيء واهم خلقته بيدي كما يضرب الثور قدمه بالأرض فيظن بأن الملايين من ذرات الغبار والدوائر العالقة بحوافره دارت حول المصارع الاسباني الذي امامه فأرعبته , ربما تنتهي هذه الاماني بصفر كبير , ولكني لا اهتم بها لاني أملك جميع الارقام الضخمة بدفتري وأنت بجانبي.
– بل هي وقائع سأقوم بتنفيذها لك بأذن الله قريبا.
فرحت بما قاله لها , وأحست بأنها أصبحت طفلته المدللة وأصبح هو طفلها المدلل.
****
لأمطار الشتاء في لندن وقع غريب على “مريم” , تعشق الركض تحتها كالأطفال تماما , ثم تتذكر بأنها لم تعد طفلة , ثم تضحك ويختلط صوتها مع زخات المطر , تعود الى البيت لتجد ” معين” يخرج منشفة كبيرة لها فتخلع ملابسها امامه كوردة في مهب الريح ترتعد , ويبدأ بتنشيفها , يصبح جسدها مرمر ورخام ينساب عليه بقايا المياه فيحس به كأنه الشهد والورد مجموعا في جمال نهديها وخصرها وما دونه , ما أرق وجنتيها وخديها وكأنها غزال ولد حديثا ومحاط بعطف امه.
مازالت كزهرة البنفسج تتعلق بصاحبها وتذبل اذا ابتعدت عنه, يعذبها ويفرحها في نفس الوقت قوة شخصيتها في عملها وإدارتها الحديدية لشركاتها , وفي نفس الوقت ضعفها امام ” معين” وارتعادها من لمساته وكلامه المنسق.
نامت في حضنه , وعندما فتحت عيناها قال لها:
– كنت نائمة مثل قط صغير استشعر الدفء في حضن حبيبه , لذلك وضعت بجانبك زهرة حمراء , هدية بسيطة اشتريتها لك , لكي تحسي بدفء أشعتها وهي تنظر اليك طالبة العشق.
– الثلج هدية الشتاء , والشمس هدية الصيف , وزهرتك الحمراء هدية الربيع , وأنت هدية العمر وأمنياتي .
– حين رأيت امنياتك في الكتاب , تذكرت بان بداخلي مخزون من الزهور يريد ان يحتل مكان خصبا في قلبك فوفرت له المياه والشمس المشرقة , غدا ستتحقق احدى امنياتك.
– ما هي ؟ ارجوك ؟ لم يبق في الحروف متسع , مابين نقطة وحرف أحتاج الى شباك العمر لينفتح على منارة مليئة بسفن العالم , ترسي قواربها على سواحل الاماني والأحلام.
– دعيها أمنية غامضة محفورة في قلبك بحروف من ذهب تنمو كل ساعة حتى تشرق عن فجر جديد لي ولك.
—————————————
كانت الشمس تطل بخجل كبير من وراء نافذة بيتهم , وبصعوبة كبيرة خرج من دفء الفراش وأيقظها معه وطلب منها التحرك فورا , اخذا حماما مشتركا مليئا بعطر الصابون وعنبره , وبماء دافئ يصهر الحديد لو اراد بحرارته , وكلما هبطت قطرات الماء على اجسادهم أشتعل فتيل الحب بشكل مغري بداخلهم , ولكن كان عقلها مشوشا بالأمنية التي وعدها بها ” معين ” , لقد أسرها بكلامه دون أسوار او قضبان وجعلها تلعب لعبة الاحساس بالمفاجأة , وما يخبئها لها من عبير الحب.
استأجر سيارة صغيرة للذهاب الى مقاطعة ”Wiltshire” جنوب غرب إنجلترا لرؤية اعجوبة Stonehenge , التي تمنت رؤيتها , لقد عقد صفقة معها مكونة من الحنان الدافئ والمتدفق لامرأة يعشقها ويخفيها بين مسودات الشعر الرومانسي ويرسم معها كل امانيها لتحقيقها.
نظرت اليه بحب , ولحظتها تمنت ان يكونا كعصفورين , يحلقان في الفضاء , يهبطان في أي منطقة من العالم , يشربان منها , يرقصان في كل الاتجاهات , يتبادلا اناشيد العشق والغرام .
امسكت يده وقالت :
– شكرا لقد زرعت بداخلي نشوة الشعور بالدفء ومغامرة الاكتشاف المبطن بتحقيق الاماني من خلال حبك لي.
غمزها بعينيه قائلا:
– وماذا حصل للنشوة الأخرى , والأماني التي اريدها منك؟
قالت له ووجهها يعلوه حمرة مطعمة بالهيام:
– اصبحت اخاف منك ومن رغباتك المتواصلة.
– ماذا افعل ؟؟ انت تحركين اعصابي وتزرعين في دماغي الم لا يطاق ولا يهدا إلا بضمة او قبلة.
لم ترد عليه , ولكن كان بداخلها نفس الشعور فهو حين يلمس أناملها يجعل روحها تذوب عشقا
وتضيع في هذا الكون الفسيح.
بعد وفاة زوجته لم يكن يقود أي سيارة , ولكن مع ” مريم” عاد الى القيادة من اجلها , و قاد السيارة ببطء شديد , كان يرتوي من جمال شعرها الطائر الذي يثير بنفسه سعادة يستمدها من روحها , كانت الطبيعة وحدها من حولهم تتكلم , وهم يطوونها بساطا بعد بساط , كان يتخيل بحسه لا بفكره , اشعة الشمس وهي تغطي جسمها بنسيم البراري كنفحات مسكرة مليئة بعرائس الغاب ورقصات ليل الغجر حول النيران الملتهبة , أخذ يعبث في الراديو متعطشا الى سماع الاخبار ,وبعدها بدقائق غير فورا المحطة وهو يشعر بالضيق والكآبة للكتلة الضخمة من الاخبار المحزنة والقاسية التي تتحدث عن اوضاع العالم العربي السيئة تحديدا .
وضع سي. دي خاص به في السيارة فانطلقت اغاني مطربته اللبنانية المفضلة ” فيروز” , خاطبها قائلا:
– هل تعرفين ” فيروز”؟
– نعم اعرف القليل عنها ,ومعجبة بصوتها الخلاب الذي يسحرني.
– أن ” فيروز ” هي مغنية مسيحية وصاحبة صوت ملائكى , وتأخذ بصوتها عقول كل من يسمعها الى عالم من الحب والأحلام , فجمال صوتها الاخاذ جعل جميع الطوائف في لبنان تتوقف عن القتال عندما تقام حفلة لها , وكنت اتمنى ان يحترم الجميع كل الديانات السائدة به ولا يعتمدوا على شخص ما او حاكم ما , ولو تم ذلك فسينجم عنه نشوء مجتمع يتحقق فيه السلام وترتفع من خلاله المكونات الروحية و الثقافية والتسامحية.
رفعت رأسها وهي تعلم بأنه شخص مختلف بتسامحه الديني وعدم عنصريته في اختيار اصدقائه دون النظر الى طوائفهم وعقائدهم , مما جعل الجميع يطلبون وده ويحبونه , ان هذه النظرة الطاهرة للخلق جعلتها متيمة به لحد الهذيان وعاشقة لهمساته وكلماته ولرحيق انفاسه , حدقت اليه بابتسامة صاعقة صادرة من أمرآة تعشقه الى حد الموت , جعلته يجن من شفتيها المكتنزتين , وصدرها المضاء بمصابيح الانوثة.
حينما وصلا الى هذه المنطقة العتيقة , ببيوتها الصغيرة وحاراتها القديمة , لم تستطع ان تضبط انفعالاتها , وجدت نفسها تحن الى طفولتها حيث اخذهم والدها الى هذا المكان وهي طفلة , كانت تبحث بذكرياتها عن والدتها وهي تتلقفها وتضمها الى صدرها , والحق يقال , ان والدها كان معشوقها ومخزون قصص الطفولة الجميلة التي رواها لها عن هذا المكان بكل ما تحمله من معاني الحب والأبوة.
– هل مازلت معي ؟؟
– انا معك دائما , ولكني سرحت في الحياة وجمالها عندما تكون طفلا , ارجوك اكمل فقط ما بدأت.
قال ضاحكا:
– وهل تظنين انك فقدت جمال الحياة عندما كبرت لقد بدأت حياتك الجديدة وأنت معي , وسأجعلها كل يوم زهرة طفولية تبحث عن يد حانية لتلمسها , هيا بنا لقد وصلنا الى الفندق.
كان فندق Mercure Salisbury White Hart المبني من القرن السابع عشر جميلا ببياضه الناصع وورق جدرانه الخضراء وحديقته الصغيرة المليئة بالورود وتمثال لملاك صغير يحيط بها, طلب منهم العامل بالفندق الانتظار حتى يتم تنظيف الغرفة.
استراحت ” مريم” على اول كرسي يقابلها بعد هذه الرحلة الطويلة المليئة بالسعادة والإثارة , بينما ذهب ” معين” الى خدمة الكونسيرج ليحجز على اول جولة سياحية لهذه الاثار , استقبلته الفتاة المسؤولة عن الرحلات , وأخبرته بان رحلتهم ستكون بالغد في الصباح الباكر مع مرافقة , ثم شرحت له عن هذه الأعمدة وكيف نصبت قرب مركز الموقع على شكل دائرتين متداخلتين , استمرت بالحديث معه متفاخرة بآثارهم وعظمتها.
عاد الى “مريم ” ووجد نظرة الغيرة الجميلة الغرقى بِأنفاسِ القمر تطل من عينيها , فسألته:
– ماذا قالت لك ؟؟
قال بنية لا تخلو من الخبث , متعمدا اغاظتها لتسير معه على معابرِ الشوق:
– طلبت موعدا عاجلا , ولكني رفضت طلبها لان معي أجمل امرأة سمراء يغار منها جميع البيض والحمر والزرق من النساء.
– أخبرها ايضا بأنك ترفض دعوتها لأنك معلق بقلب امرأة تعشقك بجنون ولن تفلح ابدا أي امرأة اخرى في زحزحة جزء بسيط من عشقك لها.
– وأضيف على كلامك ايتها الجميلة , بان المرأة التي لم تعد تغار على زوجها هي التي لم تعد تحبه , أني لا اتصور امرأة غيرك تستحق ان اسجن نفسي داخل قفصها الغيور وأعيش داخل اسواره.
– هناك الف شاهد على غيرتي , يعرفوني جيدا , أكشاك الورد , اطراف قميصك , عطرك النائم على صدري , قلبك الذي ينبض باسمي , سيفك البتار الذي انشا قصة حب هزمت جميع قصص الوحوش والأساطير , لقد اذبتني بحبك , ارحمني قليلا.
في الصباح الباكر استقلوا باص صغير للذهاب الى هذه المنطقة , اخبرتهم المرشدة أن هذا الأثر رغم شهرته حاليا أصبح أطلالا , ويتكون من مجموعة دائرية من أحجار كبيرة قائمة محاطة بتل ترابي دائري وكل عمود ارتفاعه اربعة أمتار , وفوق قمم الحجارة الثلاثين دائرة منتظمة من حجارة يطلق عليها العتبات , ومثبتة بطريقة عاشق ومعشوق , وأن لهذا المكان سحره الغامض على العشاق , يقرب الارواح من بعضها البعض ويجعلها لا تتخلى عن حبها مهما حدث بينهم من فراق , ويعطي الاجساد رغبة لا تقاوم في الحب , وان كل عامود هو رمز مقنع لمعاني الحياة.
تبسم “معين” لمريم وقال لها هامسا:
– اه ..اه , من كيد النساء , لقد عرفت الان سبب هذه الامنية بالحضور الى هنا , ولكني بداخلي اكاد ان اجن اريد ان اظهر عاريا وأنام تحت هذا العامود وأنت معي كأفراخ العصافير .
– ثم ماذا ؟؟
– نحاول ان نهرب من هذا السحر ومحاولة الافتكاك من دفء هذه العواميد الغامضة فلا نجرأ.
– ثم ماذا ؟؟
– نصبح اسطورة , وبقدر ما نشتهر , بقدر ما نتكور لنصبح كرة من الياسمين تسافر الى السماء وتصبح هي القمر المحيط للعشاق.
سألتهم المرشدة أن يختار كل منهم عامودا لتخبرهم برمزه .
اختار ” معين” العامود المركب في الزاوية التي خلفه فقالت له المرشدة :
– لماذا اخترت هذا العامود بالذات .
– لا ادري, ولكن بداخلي أحسست بأنه قريب الى قلبي.
– انه يرمز الى ملك إيثاكا الأسطوري “اوديسيوس” والذي خاطر بحياته من اجل زوجته “بنلوب” وعاش عاشقا لها , متيما بها , ومخلصا لها مهما ذهب في مغامرات حول العالم وشاهد الآلاف من النساء , ولكنه في نهاية المطاف انتصر الموت عليه , فعامودك يرمز الى الموت.
قالت لها “مريم ” بقلق:
– لا احب سيرة الموت , تعرفين ان وجه العصافير يكون جميلا عندما يكون مغردا , ويصبح بشعا ويظهر الما في قلوبنا عندما نجدها ميتة على اشجارها.
أخبرتها المرشدة وهي تشاهد عظمة الحب الذي يجمع هذين الكائنين المتناقضين في الجنسية والمتوحدين في القلوب:
– انا مثلك احب الاشياء الجميلة والخالدة , ولكن هذه العواميد هي فقط رموز تنساب بهدوء الى عقولنا للتسلية فقط , ولا تتوقف على تعريفات حقيقية وثابتة , هيا اختاري أي عامود وسوف تندهشين من رمزه.
اختارت “مريم ” العامود الذي امامها مباشرة .
ابتسمت المرشدة وقالت لها :
– هذا العامود رمز العشق , وحجارته هي زخم روحي شفاف ينقلك من جدلية المادة الى جدلية الروح , انه يزداد لمعانا وأثرا جميلا في اعين المحبين وكلما أمعن المعشوق في جمال معشوقه زاد حبه لهذا العامود .
احست بزهو ارتعش لها جسمها فقالت لمعين:
– لقد زاد حبي هذا العامود , ولكن هل مازلت تحبني؟
– لم اتوقف يوما عن حبك.
– اذا دعني اقدم لك مالي ليسعدك.
– اتظنين ان المال يحقق المراد , المال لن يجعلني سعيدا في يوم من الايام , وحالة الحب القائمة على المصلحة ضارة ومضرة لأن حب المال سيملأ قلب العاشق بالذهب ، وبالتالى ترخص نفسه وبالتدريج يصبح عبدا للمال ، انا لا انكر بأنه يذلل الصعوبات , في حال كان هناك صعوبات , وحبنا واضح المعالم والتفاصيل .
فاض الحنان في قلبها , فضمت يدها اليمنى الى يده ومدت يدها اليسرى الى جبينه تداعب شعره الرمادي الجميل , ثم انحنت عليه برقة مستفيضة وقبلته على خده , قبلة اودعت فيها جمال الطبيعة المحيطة من حولها , لقد كشفت هذه القبلة طيبة قلبها الشفاف , وغزارة المنبع والعاطفة الانسانية في اعمق أعماقها ورفعته الى سماء الملائكة.
حضنها وقال لها:
– ما أحلى قبلتك يا حبيبتي , وما اروع لمستك , انني اراك في الورود والأزهار , واسمع خرير المياه في وجهك , وفي الفلوات والحقول والحدائق الغناء , ما ارقك في الأثير وما احلى بهاءك في محاسنك المنتشرة في كل مكان.
وقفت أمامه والتقت انفاسهما في اشتياق حار , وامتزجا بشهقة عميقة طويلة , تلقفتها الازهار البرية النابتة من حولهم عطرا يصدر متعا روحية صافية من قلوبهم , وقامت الحور والصفصاف بدور الجوقة الموسيقية , فأتقنت وأبدعت وأظهرت خبايا العشاق.

الفصل الثاني عشر

نقاط إرهابية

(عندما ينمو شعرنا نقوم بقصه بالمقص , ولا نقطعه بالسيف)

عادا من اكتشاف مغامرة عن الحب والعشق وعادا الى حياتهم الطبيعية , فذهب الى والده بعد صباح يوم أستفز ذرية الغيوم بشمس مشرقة ادخلت البهجة الى قلبه , وحمد الله على منحه أجمل الحب وأعذبه وأنقاه بعد أن اصبح شباك العمر مفتوحا على نهايته.
دخل محل والده (نضال) وقبل يديه ، كان متعودا أن يجلس مع والده أكثر مما يجلس مع اصدقائه ، كان له بمثابة أخ وصديق يشاركه همومه ومشاكله , ويساعده على فهم مواقف عن الحياة ساعدته على مواجهتها , كانت ومازالت علاقتهم قوية ومتشعبة لدرجة أنه حين نظر الى عيني والده وقرأ ما بداخله , لاحظ شحوب وجهه فسأله عن السبب , فاخبره عن أخاه ” عزت” وكيف تغير , وأصبح يخرج الى اماكن مجهولة لا يخبره عنها ,
فتوجه ” معين” على التو , الى بيت والده ليتحدث مع ” عزت” , لقد تأخر كثيرا لحديث ودي مع اخوه يشرح له عن تأملات الحياة ومشاكلها , ولكنها مشاغل الحياة والحب الجديد الذي قلب حياته بجماله الفتان , جلس يتأمل غرفة ” عزت” فلاحظ شاب صغير في السن ملتحي بلحية سوداء ظهرت حديثا ينام على سريره , وبجانبه صورة تجمعهم معا , ذهب الى المطبخ وصنع فنجان قهوة تركي له , جلس على كرسيه المفضل في الصالة الصغيرة التي شهدت ايام الطفولة البريئة , ادار كرسيه قليلا وشاهد صورة لوالدته بجمالها المبهر , أنه يتذكر كيف كان يذهب معها الى الكنيسة وهو صغير في السن , وتنطبع بذهنه صورة الكنيسة وما يميزها من مقاعد خشبية جميلة ذات رائحة تبث السعادة في قلبه , وحالة الخشوع التي تسيطر على الجميع عندما يُصلي الكاهن وينطق بكلمات ربما لا يفهمها , ولكن ذهنه يخزن في اللاشعور هذا الموقف بالأصوات واللمسات والمشاعر التي كانت تنتابه , وكان المسجد ايضا بالنسبة له مصدراً للأمان والسلام والشبع النفسي وسعادة ما بعدها سعادة عندما يسمع القران وهو يتلى كغذاء فعال للروح والعقل معا , كان موقنا أن الاديان كلها تدعو الى ارتباط سلوكي وخلقي عال , وتنهى عن أي فحشاء او منكر , وتذكر كيف كان اليهود والمسلمين والمسيحيين يجتمعون معا في القهوة المواجهة لمنزلهم يتناقشون ويضحكون وقلوبهم صافية , ولكن مع مرور الوقت كان الإعلام قد تحكم بعقول الناس وأخضعهم وروضهم لكره بعضهم البعض , فصور العربي كأداة للجنس ومتخلف يملك قصورا وأموالا لا تعد ولا تحصى وقاتل محترف لا يخلو من الرحمة , وصور اليهودي بأنفه الحاد طماع يبحث عن المال ويسهل القوادة في كل مكان يذهب اليه ويسيطر على الجميع بأفكاره الشيطانية , اما المسيحي فيظهر كانسان ناكر لوجود الله , ويطرد ابنه في حال بلغ الثامنة عشر من بيته , وطابع الحرية الجنسية والإجهاض متوفر في كل بيت .
كان والديه يقدران ديانة بعضهما البعض , ومتفاهمين في عدم التحدث بأي كلمة تجرح أي ديانة في هذا العالم , و كان هذا الامر بالنسبة له مصدرا للمحبة والدفء والسلام والطمأنينة , وهذا ما اتفق عليه مع ” مريم ” في بداية حياتهم الزوجية .
أستيقظ ” عزت” وذهب الى ” معين” وسلم عليه ببرود واضح , ولكن ” معين” قربه اليه وحضنه , وقال له ممازحا:
– يبدو بأنك اصبحت انجليزيا ولم تعد تعترف بالعناق .
– أنت تعلم باني لا احب القبل والعناق منذ ان كنت صغيرا.
– أنها جزء من تراثنا العربي , فتقبيل اليد والجبهة للأب والأم هو احترام وتقدير وإجلال لهم , وعندما تحضن شخص ما عزيز عليك فان هذا الامر سيشعره بالدفء والراحة النفسية وانك سعيد بلقائه ومسامحته على ما فعل , لقد حزنت جدا عندما لم تحضر زواجي , ان ” مريم” من اطيب النساء في هذا الكون , ارجو أن تنظر بعين الرضا الى الشخص الذي امامك متغاضيا عن جنسيته , فكلنا من ادم وحواء , وكلنا إخوة في البشرية.
سرح ” عزت ” قليلا , وندم على عدم حضور زواج اخيه الذي كان ينتظره بفارغ الصبر , فأخوه ” معين” هو أغلى ما يملك في هذه الحياة وهو شمعته التي لن تنطفئ وهو من ينير له دربه , وتذكر كيف كان مبهورا وفخورا بروايات اخيه عندما كان مراهقا وكانت تسعده كلمات الغزل والحب والحكم التي تحتويها , اما الان فيرى فيه رجلا يدعو الى ممارسة الجنس والرذيلة من خلال كتبه المنشورة , وأيضا رجل خان القضية الفلسطينية لزواجه من امرأة يهودية.
خاطبه ” معين” وهو ينظر الى وجهه بحب واضح وقال له :
– ما بالك يا أخي, ما الذي حدث لك ؟؟ إياك أن تكون غريبا عني , وتخبئ ما بداخلك , أخبرني بكل ما يدور بعقلك , وأنا على استعداد لمساعدتك بكل ما تريده.
تكلم معه بصوت حانق وقد خنقته العبرات وقال له:
ربما لا اجيد التعبير مثلك وتحليل كل أمر في هذه الحياة ولماذا وجد له , ولا احسن استغلال الافكار لتوظيفها في القصص والروايات , فهلا أجبتني بما اريد ان اساله لك , اولا لدي اسئلة تتعلق بمواضيع الجنس التي تطرحها في رواياتك , ألا تظن بأنك تدعو الى الانحلال الاخلاقي من خلالها ؟!!
نظر اليه وهو يعلم موقنا ان الجيل الجديد من الشباب أصبح يفتقد الى الدبلوماسية في الحديث والمراعاة في القول والفعل مع الاكبر منهم سنا , وكأنهم يتمردون على الحياة بأسلوب فظ لإثبات وجودهم بعد ان ضاعت منهم رموز الحب والاحترام , فرد عليه بهدوء:
– لك الحق في الاحتجاج على هذا الموضوع , ولكني مسؤول عما اكتبه وما احسه بإلهامي وشعوري وواقعي الملموس الذي يعبر عما بداخلي , وبكل اسف الجنس لدينا في العالم العربي هو أحد الامور المحرجة التي لا يتكلم أحد فيها أو عنها إلا بحذر شديد , متناسين أن الجنس غريزة مزروعة بداخلنا , وهى من الغرائز الأساسية في حياتنا مثل الجوع والعطش وهي اليوم في كل مكان , فهي تطالعك عبر التلفزيون , الأفلام والإنترنت ‏ ويبدو انها لم تعد من المحرمات إلا في الروايات التي أكتبها , كما ان العلاقة الجنسية تشكل العنصر الرئيسي في الحياة الزوجية , وكلما تبادل الشريكان بصراحة ما يرغبان به من علاقة حميمة ستنجح علاقتهما أكثر وأكثر , بالإضافة أن هناك الكثير من حالات الطلاق والخيانات التي تحصل بسبب فشل هذه العلاقة والجهل بها , كفا اختباءا وراء طاولة الخجل وغلاف الخفاء , لنتفادى الأخطاء والطلاق , والممارسات الشاذة والحالات النفسية التي تقع في مجتمعنا بسبب عدم فهم الجنس والهدف منه.
– في رواياتك , الحياة طاهرة وشريفة و جميع ابطالك معرضين للتمحور والضغوط الخارجية للوقوع في الخطأ , ثم يصلحون ما فعلوه بعد الندم والأسى والرجوع الى الله مع ان دينهم ضعيف , ألا تظن بان أكثر الناس قد تركوا الدين وجاهروا بالفساد !! لقد أصبح الاسلام في خطر ومعرض لنهاية اليمة اذا لم نجاهد في ابقائه حيا .
– اذا كيف بقي كل هذه القرون الطويلة , كل فترة كان فيها ظالمين قتلوا العلماء وتوجهوا الى ملذاتهم ضاربين بعرض الحائط كل قيم الاسلام , ومع ذلك بقي ديننا شامخا ومرتفعا , ولكنه الان في قلوبنا وليس في افعالنا , ولو طبقنا جزء بسيط منه في كل تصرفاتنا لأصبحنا ارقى وأفضل , اسال نفسك هل تجاهد من اجل دينك ؟؟
– نعم , وشرارة الغضب التي اشعلتها دول الغرب بسبب الديكتاتورية والظلم للعالم العربي بالتحديد .
– اذا كان من اجل الدين , فمع من تحارب ؟ ومن اجل ماذا ؟؟
– أحارب مع المسلمين الصادقين مع انفسهم , ومن اجل اظهار الاسلام مرة اخرى.
– وهل الاسلام مخفي لتظهره !! الاسلام سيبقى ظاهرا الى يوم القيامة , دعني اسالك بعض الاسئلة يا “عزت” : لو جاء اليك رجل أجنبي ، وقال لك : إن لديه دقيقة من الزمن ، ويريد أن يفهم فيها ما الإسلام ، فماذا ستفعل معه ؟؟
– مستحيل ، لا بد له أن يدرس الحديث وتفسير القران وأمور كثيرة لا تعد ولا تحصى.
– لاشي مستحيل , أخبره بان الاسلام هو الاعتراف بوجود إله واحد لا شريك له هو الله ، وكذلك الإيمان بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلوا إلى البشرية قبل رسول الاسلام محمد , وأن الاسلام هو دين الحب والسلام وهو ينهى عن الكره والحقد والبغضاء والمنكر.
– لقد جعلت الامر بسيطا جدا.
– ولماذا نعقد الامور , ولماذا نجعل ديننا مليء بالطلاسم والعقد , هل قراءت سلاسة وسهولة كتاب “عظمة الإسلام” ، للمؤلف الفرنسي ” ميشال أورسيل ” والذي يرد فيه على بعض المستشرقين الذين يشككون في حقيقة الرسالة المحمدية تحت وطأة الخوف من الإسلام.
– لا.
– هل قراءت عن النبي ” دانيال ” أحد أنبياء بني إسرائيل في عصر السبى البابلي ؟؟
– لا , ولكني اعرف تاريخ الانبياء جميعهم من كتاب قصص الأنبياء وجهادهم لإظهار الحق.
– وهل تمعنت بكل قصة ؟؟ وهل كان جهادهم بقتل كل شخص يرفض دينهم !! ام بأخلاقهم وعملهم وعلمهم .
– اذا لماذا قاتل رسولنا محمد أهل مكة ؟؟
– كان قتال الرسول لأهل مكة ومن ناصرهم لاسترداد الحقوق ورفع الظلم والسماح بالحرية الدينية لكل الناس ولم تكن حربا من اجل متعة القتل أو سفك الدماء مطلقا , يا أخي , اقرا , ابحث , جاهد بعقلك في دراستك , في عملك , في تعاملك مع الآخرين لأن الله يحب ان يكون عملنا متقنا , لا تكن عبدا لأفكار لا تعرف مصدرها او أهدافها وارفض ان يعطيك احدهم كتابا ساما ويجبرك على قراءته , لذلك أقرا عن اقتناع , و غامر , وافشل , وحاول اكثر من مرة , كن صادقا مع نفسك , فالصدق هو أورمة الاخلاق.
– لقد استخدمنا الصدق من اجل أحلال السلام وفشلنا فشلا ذريعا.
– اسمع يا عزيزي , اكثر الذين نقابلهم في هذه الايام يعجزون مثلنا تماما بل ربما يعجزون اكثر منا عن صنع السلام مع انفسهم , فالسلام يحتاج الى استقرار تكنولوجي وثقافي ووعي بحضارات الاخرين وما أنجزوه خلال العقود الماضية , وفي حال رفضنا السلام الداخلي والخارجي تأتي هنا الهزائم ويأتي الارهاب المزروع بالأقنعة المزيفة للدفاع عن الدين .
– وهل كل شخص يدافع عن دينه إرهابي ؟!!
– لا , ولكن دافع عن دينك بعملك وتطورك الحضاري , ولا تجبر ولا ترهب الاخرين بحب دينك بأسلوب الضغط والإكراه , لنكن مسلمين بأخلاقنا , وكل دقيقة نصرفها بعمل المعروف , ولا نبرر لأنفسنا افعال الاخرين , وإنما نبدأ بنفسنا ونقوم اعوجاجها , وكلنا ذوو خطأ , لذلك يجب أن نضيء للآخرين طريق الصواب بمصابيح ايماننا , ونجعلهم يرون الاسلام وعالمه النقي الطاهر وبذرة الخير والسلام المزروعة بداخله , دعنا نبرع بالعلوم والسياسة والديمقراطية ولا نلتفت الى الوراء , ويقولون يا “عزت” ان من يقرأ التاريخ جيدا يستطيع رسم المستقبل , فاقرأ عن تاريخ المسلمين وعبقريتهم وعدلهم وضعها في عقلك لتجلس على القمة.
– وهل دفاعك عن الدين يكون بزواجك من يهودية , والتي من المتوقع أن تذهب معها الى المعبد اليهودي في يوم من الايام .
– نعم , وما المانع , غريب امرك لقد كنا نذهب مع امي في الماضي القريب الى الكنيسة , فما هو الفرق ؟؟!!
– كانت اغلاط ارتكبناها في الماضي , ولكن مع الايام وتعرفي الى هؤلاء الاصدقاء الجدد غيرت نظرتي الى الكثير من الامور.
– ماذا حدث لك ؟؟ !! لقد كنت تسهر في النوادي والبارات , ثم اتجهت الان الى التشدد في الدين , ألا تعرف طبقة وسطى في الحياة تدعى التسامح الديني والنضج والتفكر في الهدف من وجودنا في هذه الدنيا.
سكت ” عزت” ولم يرد على اخيه , وتذكر كيف كان يشرب جميع أنواع الخمر طوال الوقت , وكم سرق من دكان والده ليعزم الفتيات على حساب قوت والده المسكين , أن كل هذه الامور سببت له الكثير من الاحراج وجعلت ضميره يؤلمه طوال الوقت , لذلك توجه الى هؤلاء الاصدقاء لينصحوه ويوجهوه الى طريق الصواب , ولكنه عندما تحدث مع ” معين” أحس أن جزء كبير من كلامه فيه الصواب , ووجد نفسه ضئيلا امام ثقافته وصراحته ومعرفته , مما جعله يصرخ على نفسه : انت قشري وتجري وراء اخرين , لا يعلم احد عن نواياهم , ارجع قبل فوات الاوان.
*****
أخذت خطوات ” عزت” تضطرب وهو يدخل منزل رئيس المجموعة التي تدعى ” الوسيلة” , والتي بها مجموعة من الشباب من جنسيات عربية وأوربية مختلفة , وقال لرئيسهم بصوت هامس :
– لقد عدلت عن موقفي , لا اريد تفجير أي شيء.
ظل رئيسهم واقفا كالجماد , وفي عينيه نظرة مملوءة بالوحشية وقد بدا الشر يظهر جليا على وجهه ورد عليه بصوت عال قائلا:
– أنت تعلم علم اليقين بأنك عندما اشتركت معنا تعهدت بعمل كل ما يلزم لتحقيق الحرية والعدل والقضاء على التفاوت الطبقي الهائل , أن حركتنا ليست متطرفة أو رجعية او دينية , بل هي وسيلة شريفة لتغيير الوضع القائم على تحكم دول معينة في العالم والتلاعب به من اجل الوصول الى غاياتهم.
– ولماذا لا نتناقش معهم ؟؟!!
– لا فائدة من النقاش , يجب أن يحدث التغيير عن طريق توعية الشعب وفتح أعينه على ما يحل بنا من ظلم فادح , وهذه هي الطريقة الوحيدة والكفيلة بدفع الشعب إلى الثورة وتغيير الوضع القائم , واكبر مثال على الظلم دولة بريطانيا العظمى .
تذكر “عزت” بأنه يحمل الجنسية البريطانية وأنه استفاد من نظام التعليم ونظام الرعاية الصحية والتامين , ويعامل دون ادنى فرق بينه وبين أي بريطاني عاش لدهور في لندن , فهب وكأنه لدغ من عقرب فقال :
– ان الشعب البريطاني يملك عدالة وقضاء داخلي لا يمتلكه معظم دول العالم .
– لا يغرك هذا الامر , والإعلام الذي يظهرهم بمظهر الملائكة , أنظر الى الانقسام المذهبي الذي فرضته انجلترا بين البروتستانتيين الانجليز ، والكاثوليكيين الايرلنديين , ثم لا تنسى أنهم قد قدموا وعد ” بلفور ” وأعطوا لليهود دولة لا يستحقوها , والى الان لا يريدون التكفير عن خطاياهم تجاه الشعب الفلسطيني , لان الضغط الأمريكي واليهودي لا يزال يحركهم تجاه كراهية العرب.
– ولكنهم في هذه الحالة سيزيدوا من حنقهم وكراهيتهم لنا حتى ولو كانت نوايانا طيبة فالإرهاب سيظل هو الارهاب.
– يجب ان يدفع الجميع ثمن الاخطاء التي ارتكبوها بحق الابرياء , سوف اعطيك مثالا حيا أمامنا , لقد تعرض زميلنا ” طفيل” الى تعذيب في “غوانتانامو ” لا يخضع لأي من القوانين الدولية ولا حتى لمعاهدة جنيف الخاصة بحماية حقوق (أسرى الحرب) , لقد وضع في قفص حديدي صنع من أجله , وهو مقيد الأيدي والأرجل , معصوب الاعين وقد أرغموه على الركوع على الأرض كاللصوص والأشرار ومجرمي الحرب , ان بريطانيا والولايات المتحدة حلفاء يسيرون جنبا بجنب وبنفس الخطى والأفكار , دعه يخبرك ما حدث لأخيه.
كان ” طفيل” شابا نحيفا على وجهه امارات الكآبة والإحباط الشديد , تنهد قليلا وقال :
– كان معي في السجن اخي الصغير الذي توفي فيه , أن موته وصمة عار على قلبي فهو اخي الوحيد , أنهم لم يرحموه لذهابه الى أفغانستان من قبل , فعند القبض عليه وضعوا له قناع اسود , جعله يشعر بالاختناق وكأن الحياة تطبق ضلوعها على جسده , وقيدوا أياديه بقيود حديدية تكاد تكسره من ثقلها , لقد حاول التنفس عن طريق أنفه فلم يستطع لأن فمه كان مغلقاً تماماً , لقد حاول الصراخ من العذاب لكنه عرف بأنه لن يسمعه أحد , فصراخه كان صامتاً لا يسمعه سوى روحه , والمصيبة الاخرى هي سدادات الأذن التي عزلته عن العالم , ياله من صمت مميت , بالإضافة الى التعذيب المنفرد عند الايتاء بأي حركة , وعندما اضطرب عن الطعام وسقط على الارض من شدة الجوع , بدؤوا يضربه بأحذيتهم , ثم نزعوا ملابسه , وعندما رفض , قاموا بتمزيق ملابسه , ثم بإجراء “التفتيش الدبري” الذي كان القصد منه الاهانة له , وعندما اراد الذهاب الى الحمام تجاهلوا طلبه ، وحين ألح بالصراخ ، اقترب منه السجان وركله ثم فك قيده وقال له : “استدع رسولك الذي أمرك بقتل الأبرياء لينقذك مما أنت فيه ” , فاستدار أخي ليدافع عن دينه , هنا انهال عليه الحراس بالضرب الشديد الذي ادى الى موته , توقف ” طفيل” عن متابعة الحديث و قلبه ينبض بالحقد من تذكر ماض حزين.
أخبره ” رئيسهم “ بصوت مليء بالكره والغضب الشديد:
– أن “غوانتانامو” يا عزت جريمة كبرى ترتكب ، ليس في حق فلان أوعلان من هذه الجماعة أو تلك , ولكن في حق ابسط الحقوق الانسانية أنا ، وأنت , وكلنا في حالات كهذه التي يسود فيها الظلم ، معّرضين للمداهمة في بيوتنا ، كلنا معرضون للخطف من بين أحضان عوائلنا ليرمى بنا إلى المصير الفادح , أنهم ليسوا في حالة حرب عالمية على “الإرهاب ” أو على “القاعدة “, بل هي حرب على الفقراء والمساكين وأي ديانة لا تعجبهم , أن كل المجازر ارتكبها الغرب , ابتداءا من الحرب العالمية الثانية , وصولا لضحايا الحروب الحالية والتي أغلبها من المدنيين الغير مسلحين , والأطفال الذين لم يسيئوا لهم , من فلسطين لأفغانستان للعراق والصومال , وأينما وجد هدفهم كان قتلهم دون رحمة , مقتلهم ليس مجرد اضرار ثانوية , بل هو للقضاء على المخالفين لهم , أن ما يسمى التوراة أو العهد القديم هو عصب العنصرية والتعصب والإرهاب الصهيوني بشقيه اليهودي والمسيحي , فالعهد القديم يذخر بأيديولوجية الحرب والإبادة والسحق والإرهاب من خلال الدعوة لسحق الشعوب وامتلاك أراضي الغير ، والسيطرة على مقدرتها ، والتحكم بها .
قال ” عزت ” متذكرا أمه المسيحية وزوجة أخيه ” معين” وديانتها اليهودية وخاف ان يعرف احد بهذا الموضوع , فقال بصوت مهزوز:
– وهل وجب علينا قتل الابرياء منهم ؟!!
– قد يصاب اناس أبرياء اثناء العملية لأنك لا تستطيع ان تتحكم بكل شيء اثناء التنفيذ ثم هؤلاء الاشخاص سكتوا وأيدوا حكومتهم التي هي في كل يوم تمول وترتكب الجرائم بحق الإنسانية واستمرارهم بالصمت والسماح بالانتهاكات المستمرة هو تواطؤا اجرامي وإرهابي خطير ضد الانسانية في جميع دول العالم , وكما قلت لك من قبل فنحن ليست لدينا اي مصالح شخصية في عمليات القتل هذه وإنما نقوم بها من اجل الشعب ، ومن اجل غايات نبيلة كالمساواة والحق والعدل.
قال ” عزت ” وهو يلتفت من حوله خوفا ان يسمعه أحد :
– ولكننا بنظرهم نحن الارهابيين , واعدوا لنا كل عتادهم لمحاربتنا.
رد “ابراهيم قائلا:
– الحرب المزعومة ضد الارهاب هي غطاء ليعتدوا عسكريا لتامين سيطرتهم على ثروات غرب أسيا انها تجارة الدم مقابل النفط , انها ابادة جماعية. وفي الحرب العالمية الثانية في معركة واحدة دمرت الطائرات الأمريكية بالقذائف والنابالم الحارق في طلعة جوية واحدة 61 ميلاً مربعاً ، وقتلت 100 ألف شخصاً في عمليات جحيم مستعر شمل طوكيو و46 مدينة يابانية أخرى ، وكانت نتائجها أفظع من نتائج استخدام الأسلحة النووية ، وذلك قبل أن تستخدم أسلحتها النووية فوق مدينتي هيروشيما وناجازاكي التي حصدت بسببها عشرات الآلاف من الأرواح ، بلا أدنى تفريق بين مدني وعسكري ، أو رجل وامرأة وطفل ونحن مقاومين شرفاء واتحدى اي مواطن غربي يستطيع ويتجرا على نقد عمل المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الغير مشروع , وفي كل مستعمراتهم في انحاء العالم ,هم كاذبون لا يضحون من اجل واجب وطني مشرف بل من اجل العنصرية , لا يحاربون من اجل قضية , انما من اجل حياتهم وحياة اصدقائهم المترفين من اليهود.
– سأله ” عزت” وهو لا يزال في حالة من الضياع الفكري والخوف من هذا العمل:
– كم عدد القواعد العسكرية التي يمتلكونها ؟!
– ان لديهم اربعة عشر قاعدة عسكرية حول العالم للدفاع عن حرية اكسون موبيل وشركاء البترول البريطانية , انهم لا ينشرون الديمقراطية , انهم ينشرون قواعد الاحتلال الاقتصادي كمتابعة للاحتلال الاقتصادي العسكري اللا منتهي , المجتمع العراقي اليوم وبفضل المساعدات الامريكية يتميز بالدمار والتفجيرات ومداهمات المنازل والحواجز والموت بالجملة , حظر تجول , سجن , اطلاق جرائم في الشوارع , واعتداءات , لذلك وجب الهجوم للدفاع عن العالم العربي الذي يقاوم ويتحمل الفقر والإهانة , والعوز الى كل انسان.
سأل ” عزت” رئيسهم وهو يحس بصعوبة الامر الى الان:
– ولكن اغلب الشعب الغربي هم ضد الحرب وضد الاستعمار الخفي ويدافعون عن وحدة الغرب ودستوره في الخارج والداخل.
– ان القوى التشريعية والتنفيذية والقضائية في الغرب تتحدث فقط دون ان تفعل شيئا , لذلك وجب الهجوم , وجلب الحرية للأجيال التي تلينا , فبدون عدالة وبدون سلام وبدون دستور لن تتحقق امانينا , لذلك كما اتفقنا سيكون تجمعنا يوم الخميس القادم , وكلنا سنحمل حقائب على الظهر بداخلها القنابل وسندخل في المحطات التالية كلا على حدة كما يلي:
– أنت يا ” عزت” ستذهب من خلال الخط الاصفر و تنزل في محطة “ Edgware Road“, قاطعه ” عزت” قائلا:
– ولكن سيكون هناك جاليات عربية ومسلمة وخصوصا في هذه المحطة.
– دعهم يموتون وينالون جزاءهم , فاغلبهم اتى من اجل المتعة الرخيصة , أومن اجل التفاخر بما يملكونه من أموال أو العمل لدى هذا الشعب وخدمتهم , يجب ان نضحي بالآخرين لتظهر قضيتنا وتتبلور في الاعلام , لا تقاطعني بعد الان..هل تسمعني ؟؟ أنا سأكون مسؤولا عن الخط الاحمر” و أنزل في محطة “Holborn”, أما أنت يا طفيل فستأخذ الخط الاخضر “وتنزل في محطة “West Kensington”, اسمعوا جميعا الوقت هو المهم في هذه العملية , فإذا اختلف الوقت فمعناه ضياع كل ما خططناه له من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية.
أتفق باقي المجموعة على السفر خارج ” لندن” لعمليات انتحارية اخرى من اجل اثبات وجهة نظرهم الخاصة بالحرية والديمقراطية لكل العالم.
توجه الثلاثة إلى” Luton “من ” Leeds “ بالسيارة قبل أن يستقلوا القطار إلى لندن , كانت التفجيرات مخططا لها ان تكون في ساعة الذروة في تمام الساعة السادسة مساءا .
الفصل الثالث عشر
………………….
نقاط حزينة
قال احد العشاق (ضاع عمري مرتين, مرة قبل أن ألقاك, والثانية, عندما لم أعد ألقاك)

في المحطة , رأى” عزت” طفلا صغيرا يلعب مع امه وهي تحضنه وتقبله , بدا يفكر بمنطق انه ليس قاتلا , وان نوعية القتل التي سيؤديها تعتبر قتل قذر , ودناءة لروحه وحسناتها , لماذا يفتت جسمه ويضع نقاوة الاطفال والناس الابرياء على اشلائه !!
سار بخطى ثقيلة يلبس كابا ونظارة طبية لإخفاء بعضا من معالمه المظلمة , كان على ظهره شنطة ثقيلة وكأنها أشواك تضربه بسياط الالم , كيف سيعيش بعد ان يصبح قاتلا ؟؟ اراد ان يغيب في فوضى الزحام ويهرب من صوت ضميره الذي يضربه على رأسه بمطرقة لعينة , ولكنه قرر أن يفجر نفسه في المكان والتوقيت المتفق عليه , أنه الان لا يستطيع التمييز فيما إذا كان العمل الذي يقوم به خطأ أم صواب أو التمييز بين ما هو حق وما هو باطل ، ولكن يغلبه وخزات قوية من الندم لتعارض الأشياء التي سيفعلها مع قيمه الأخلاقية التي رباها عليه والديه.
رأى سيدة عجوز تسير بجانبه , تمنى لو يعتذر لها , لكنه لم يجد حجة مناسبة , وفكر بأخيه كم يحسده على صراحته ورأيه الصادق , انه طاهر , أما هو فيؤدي الطهر بكتلة حمراء مليئة بذنوب الأبرياء , لم يكن قادرا على ان يحرك عضلة في جسمه , حتى عينيه كان يحاول ان يفتحها ليرى طريقه الأسود , أمر نفسه ان يحرك ساقيه فلم يستطع , نظر الى ساعته لم يبق إلا خمسة دقائق تفصله بين قضيته التي ناضل من اجل تحقيقها وبين غريزة ظلم الاخرين , شعر بأنه منسلخ عن ذاته , انه اقرب الى حالة ازدواجية في الشخصية , بدت له ان تلك الحادثة المشؤومة التي سيقوم بها ستخجله مدى الحياة بالعار والفضيحة , تذكر والده وهو يروي النكات له ليسعدها به , وأمه وهي تحضنه في كل مناسبة وتخبرها عن حبها الشديد له , وشعر بان ارواحهم جميعا متعلقة بما سيفعله , أكتشف بأنه حلقة مفقودة من سلسلة لأتباع يجاهدون بقضية لا يعرفون مدى صدقها , وبدا له رئيسه بصورة شيطان يدلي بحجج واهية من اجل القتل والدمار , ثم من اين اتوا بالأدلة على جواز قتل الابرياء و الأطفال والنساء وكبار السن.
بنهاية المطاف قرر قراره النهائي فرمى بحقيبته في سلة القمامة وأحس براحة كبرى لعدم تنفيذ هذه العملية , ولكن معدته اصبحت تؤلمه بسبب القنابل الاخرى , وتقيا في منتصف الطريق , لن يستطيع ايقاف اي شيء الان وسوف يمضي بحياته بكآبة ويأس عظيم لتتحول هذه المرحلة الى خربشة سوداء قذرة في دفتر حياته.

****
لبست احلى فستان لديها , ووضعت شالا من الحرير الاحمر غطى نهديها بطريقة مثيرة , اسدلت شعرها على كتفيها , وحضرت العشاء على ضوء الشموع مع جارتها الانجليزية التي كانت سعيدة بوجود حب من نوع نادر في هذا الزمن , كانت تنتظر قدومه من ذاك الباب ليحتضنها كعادته , يا الهي كم تحبه , كان احب انسان اليها في الوجود كله , وأول حب حقيقي في حياتها كلها , لقد كان هذا الاسبوع حافلا بالمشاكل الزوجيه اللذيذة وهو أمر طبيعي لن تنجو منه أي علاقه زوجيه مهما عظم الحب والاحترام بينهم , كانت اغلبها يدور حول التأخر في عملها وبأنه يريدها طوال الوقت امام أعينه لكي يتأملها بعقله وقلبه , ان الحياة الزوجية الخالية من المشاكل الخفيفة هي في الحقيقة , حياة بلا طعم لذيذ , حياة فقدت الهواء والماء بداخلها فأصبحت كصحراء جرداء , قاحلة.
انه يوم عيد ميلاده ولديها خبر سيجعله يطير من السعادة ( انها حامل) , فإذا كان ولدا , فسيكون طفلا جميلا جدا , اسود العينين كوالده , عظيم الطباع والأخلاق , وليس مشاغبا كأمه , اما لو كانت فتاة فهي ستربط شعرها بالشرائط الزهرية , وتلبسها الالبسة الربيعية الفتانة , وتخبرها عندما تكبر عن قصة الحب التي ربطتها بوالدها , أنها تعلم بأنها اصبحت عصبية في الفترة الاخيرة بسبب هرمونات الحمل , ولكن في هذه اللحظات تشعر بشيء غريب يختلج في نفسها , شيء لم تشعر به من قبل , لابد انه شعور الرهبة لشيء ما سيحدث , ولا تدري كيف تعبر عنه او تفسره وكأنها تخضع لعملية تشويه مركبة بالهموم , فقد شاهدت على بؤبؤ عينها احتراق الارز الذي طبخته وتساقطه من حولها على شكل رماد رمادي حزين , نفضت هذه الوساوس من عقلها وبدأت بإعادة طهي الرز مرة أخرى , على فجأة تاهت عن وجودها وفقدت شعورها , كان قلبها لا يزال باردا كقطعة ثلج قاسية في قفص صدرها ثم هبطت هذه القطعة الى مكان عميق من جسدها جعلها تشعر بالبرد الشديد.
أحضرت بطانية لتتدفىء من هذا الشعور الذي حصل لها , جلست على كرسي ” معين ” المفضل تشم رائحة جماله الذكوري , قامت تشعل التلفاز وتصغي لمسلسلات وأفكار وموسيقى تدنى مستواها الفني والأخلاقي , غفت قليلا واستيقظت على كابوس راءت من خلاله ” معين” وهو يقبلها على جبينها وقميصه مليء بالدماء , وانتفض جسدها كله , مطلقة صرخة حادة , ولدقيقة كاملة , راحت تتلفت من حولها في توتر شديد باحثة عن “معين” , بقيت في كنبته عدة دقائق اخرى , محاولة السيطرة على اعصابها , واستعادة تماسكها , ولكن على غفلة اعلن شريط احمر في كل المحطات التلفازية عن انفجارات حادة متتالية في عدة محطات للقطارات بلندن , احست بأسف عظيم على ما يحدث في هذا العالم من ارهاب وقتل , لماذا لا تسعى النفس البشرية للسعادة والسلام ؟!! لم لا نقضي بقية حياتنا بحب !! لم لا نساعد انفسنا لنكون سعداء !! لماذا لا تسري مشاعر السلام في اجساد البشر دون ان تخللها احقاد وكره وبغض !!
اعترفت بينها وبين نفسها ان خارج نطاق الحب لن يجد البشر سوى اليأس والموت والدمار.
قال المذيع بنبرة حزينة وغاضبة:
– الان الشرطة في “لندن” رفعت حالة التأهب القصوى وشددت من إجراءاتها الأمنية بعد هذا التفجير ، حيث نشرت قوات مكافحة الإرهاب حول المواقع الرئيسية في قطارات الأنفاق , وتم ايقاف هواتف الجوال عن العمل توقعا لتفجيرات اضافية.
جلست لمدة ساعة تتابع الاخبار ,وكانت انظارها كلها معلقه مع شاشات التلفاز لمتابعه اخر التطورات , ورغم ان الرؤيا لم تتضح بعد , ولم يتم التأكد من جهة الفاعل , إلا ان المذيع أخبر الجميع بأن التوقعات تستدعي ان يكون الاشخاص الذين فجروا محطات القطار كارهين لتدخل بريطانيا في الداخلية والخارجية لبعض الدول ومحاولة فرض سيطرتها عليهم , ثم قال لماذا يحقدون علينا نحن الشعب ؟؟!! وما ذنب اطفالنا ونسائنا بهذا الموضوع ؟؟!!! , لماذا يجب ان يحاكم الشعب بجريرة قائده فغالبيه الشعب البريطانى وقف ضد الحرب على العراق ولم تكن الحكومة تمثله بأى حال من الاحوال , فالبريطانيون يكرهون حزب المحافظين كراهية الموت فهو يقيد جميع الحريات , يكره العرب والأجانب بصوره غريبة , يرفع الضرائب بصوره رهيبة وغيرها من الاشياء المريرة التى يكرهها البريطانيون.
….
خرج المذيع مرة اخرى وشرح للجميع عن اخر التطورات :
– تفجيرات لندن هي سلسلة عمليات انتحارية متزامنة حدثت في لندن في صباح اليوم أسفرت عن مصرع مائة وخمسين شخصا وإصابة ما يقرب من سبعمائة اخرين ، كما سيتم الاستعانة بنظام (Starstreak and Rapier) الصاروخي المصمم على إسقاط أي طائرة تحلق على ارتفاعات منخفضة وتعتزم القيام بعملية انتحارية على غرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك.
اصبح تأخر ” معين” عن الحضور وعدم وجود شبكة اتصالات يقلقها جدا , ولكنها تعلم ان الفوضى التي تحدث الان في الخارج عارمة وشاملة للجميع.
تابع المذيع حديثه قائلا:
– واستطاعت الشرطة البريطانية معرفة جنسيات الجناة الذين فجروا انفسهم بالكامل من خلال كاميرات المراقبة في القطارات , وكان هدفهم الاساسي هو تفجير ثلاثة محطات مهمة في لندن ومزدحمة أغلب الوقت عن طريق حقائب ظهر ملغمة , وقد انفجر من هذه القنابل قنبلتين فقط , ويعتقد أن المؤامرة الإرهابية هي الأخطر من نوعها في لندن , وأعلنت شرطة “لندن” أسماء الضحايا والمصابين , وقام المذيع بذكر اسماء الضحايا , حتى وصل الى المصابين , وبدا بذكرهم حسب ترتيبهم في عربة القطار , وقد كان المصاب العاشر في العربة الاولى من القطار هو شخص انجليزي يدعى Redmayne Anthony ثم المصاب الحادي عشر هو شخص فلسطيني يدعى ” معين ملحة ” .
لم تصدق ما يحدث , صرخت بصوت عال , وكأنها اصيبت بطعنة الم مباغت في صدرها , أحست بدوار بسيط وكأنها في حالة من عدم الاستقرار والتوازن , وذهبت الى اقرب قسم شرطة تبحث عن صحة هذا الخبر وأرشدوها الى المستشفى التي يرقد بها ” معين”.
وصلت الى المستشفى , كانت في عالم اخر , غير عالم الاحياء وغير عالم الأموات ازدادت سرعتها في اروقة المستشفى , لدرجة انها احست بأنها ستصطدم بجميع الاطباء والممرضين الذي يمارسون عملهم بأفق بارد تعودوا عليه .
دخلت الى غرفته , كانت تتدلى على قلبه أجهزة تلمس عناقيده المزخرفة بالحب , ليت لسانها يصرخ بصوت عال ليخفف عن كاهلهما عبء تلك اللحظات الثقيلة المليئة بالرعب , لا تستدرك شيئا من عالمها الان سوى صورة اللقاء الاول لهم.
كان يردد بصوت هامس اسمها , طلبت من الطبيب ان تنحني وتقبل وجنتيه فسمح لها , ثم شعرت بأنفاسه الحارة وهي تقبله , ثم طلبت من الطبيب التبرع بدمها لأنها لن تسمح بسريان اي دماء غير دمها في عروقه.
قال لها بصوت خافض وهو يسمع تنهداتها الجريحة كسهام شرسة تنخر في أحشائه:
– هذه معاناة البشرية اجمعين انهم ينتظروني في مكان افضل , انا اسف يا “مريم” الامنية الثالثة لم تتحقق لك , الموت صعب ومع ذلك فهو في لحظة ما يتحول الى ملاك يحضنك ويذهب بك الى اروع مكان على وجه الظهيرة , وعلى فجأة سكت ” معين ” لثوان بعد ان لمست يده يدها وأغمي عليه.
أنه ما يزال حيا , لكن هل سيستمر بهذا الوضع ؟؟! أنه يسمع اصواتا كثيرة تحيط به , وممرضات يحيطونه بكل عناية. هرج ومرج صياح وصراخ من كل جانب أطفال ونساء يصرخون ويبكون
ارغموا فكه كي يفتح لهم , كان الدم يخرج من فمه بغزارة , هل هي النهاية ؟؟
تقيا الدفعة الثانية من السائل الاحمر , وشعر بصوت “مريم ” وهي تطلب منه التمسك بالحياة , كان هناك اشخاص اخرون يدورن حوله في حالة روحانية جميلة , وكأنهم دراويش ينشدون التأمل والكمال , أمكنه ان يشاهد وجه أمه وهي تقترب منه وتطلب منه الهدوء , لكنه لم يستطع ان يتحدث معها.
لقد غاب كل شيء من حوله , غاب كل شيء عن ذهنه , تلاشت الهلوسة البصرية , شاهد جسده المليء بالدماء ولم يتبق إلا طيفين امامه زوجته وعقلها الذي اصابه نوع من الهلوسة وعدم التصديق , ووالده الذي اصيب بانهيار كامل وتهاوى على الكنبة التي امامه , انه الان يشعر بأنه يطير الى عالم فسيح لا يحده نهاية او حاجز , روحه سعيدة وتغدو كحصان بري يجري في منطقة مليئة بأقواس قزح وجنان من بلور.
شاهد مرة أخرى وجه والدته كان نضرا وقد شعت من أعينها نظراتها العذبة عندما تكون سعيدة بلقائه وقالت له :
– ستغدو فارسا جميلا ايها الشهيد , هي لننطلق معا الى افاق لم تراها من قبل , افاق مضيئة بجنات عذبة .
أول جملة تفتقت في عقلها المسمم برحيل حبها ( لا لم يمت) , ولكن عندما رأت جفناه المرتخيين , فمه النصف مفتوح , عيناه المغمضتان , وخصلة من شعره الاسود يرسم خطا رماديا حزينا مائلا على جبهته , عرفت بأنها ستصحو كل صباح وهي محرومة من لمسة يده وهو يخبرها احبك يا وردتي الجورية , ان عذابها الان يتخذ منحى اخر من الفجيعة التي جلدتها بسياط الالم.
هي لن تنهار دفعة واحدة بالتأكيد , ولكنها ستنهار , رويدا , رويدا , أغمضت عينيها والدموعٍ رافضة ان تنزل من محجريهما , ستعيش مع ذكرياته بعد ان طويت امالها الزاهرة , لقد عاشت معه واحة الحياة الخضراء في صحرائها المجدبة , لم تزل الى الان تحس بهبات ناعمة من لمساته , تمر على وجهها من أنسامه الهادئة , لقد فهمت فلسفة الحياة وأدركت عجز عقلها عن تسيير دفة القدر وعن التحكم في مصير الإنسان , أخبرها والد” معين” بان للشهيد قصر في الجنة ومع هذا لا تزال تمتلئ بالحزن والهموم.
لقد ذابت مشاعرها , لم تعد لها حياة , اصبحت مجرد كيان بشري فارغ , جثة هامدة تمشي على قدمين , اصبحت حية في عيون الاخرين , وميتة في واقعها الفعلي ,
ان المحنة الحقيقية لم تبدأ بعد , لأنها لم تفق بعد من هول الصدمة , لان الصدمة اذهلتها وأفقدتها جزء من شعورها وإحساسها , فلو انها رأت المصيبة كما هي على حقيقتها لصعقتها كما تصعق الكهرباء طفلا اراد اكتشافها , لم تستطع ان تمنع نفسها من اغماءة ستنسيها مؤقتا ماذا يحدث لها , ولكنها ستيقظها على الالم من واقع حدث لها ومازال يحدث.

الفصل الرابع عشر

بدون نقاط

تسألني يا توأم القلب و الروح هل أحبك ؟ أه , لو تعلم بأنك تتربع فوق أهدابي , وتدخل كالماء الزلال الى اعماقي , وكل خلية في جسدي وقطرة دم اصبحت جزءا منك بحيث تموت لو اقتلعت منها.
“احببت يهودية”الدار العربية للعلوم ناشرون- لمواقع البيع اليكترونيا
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb228502-206809&search=books
مر اليوم الاول لها ولم تستيقظ , لقد اعطوها الكثير من المهدئات والإبر بسبب الحالة الهستيرية التي اصابتها , كانت الكوابيس تحيط بها , وحلمت بأولئك الوحوش وجريمتهم التي لا تغتفر , اصابتها برودة تسربت الى قلبها الى عروقها وعظامها , فانتفض جسمها , وارتعشت بينما كان العرق يتصبب منها فيبلل ثيابها , ليس بسبب الحزن والخوف , انه شيء غير ذلك , انه شيء أشد مرارة من الحزن , وأعظم هولا من الخوف , أنه فقدان الحبيب.
امضت ” MIA” الليلة بجانبها وكانت تستيقظ كل فترة للاطمئنان عليها .
اشرقت شمس نهار جديد , سيكون نهارا مقلقا ومليء بالأشواك والذكريات الحزينة , كانت الشمس بالنسبة لها كالحة السواد , والسماء تبدو مجللة بالغيوم والهواء تحسه ثقيلا خانقا , وعقلها يصرخ حزينا ويرتد الى السماء كصاعقة فشلت بالوصول الى الارض ودوت بصوتها فقط.
حضر جميع اخوانها وحضرت معهم امنيتها الأخيرة أنها بالفعل بحاجة الى العاطفة والحنان في هذه الفترة كي تتخطى محنتها , ولكن كيف السبيل الى نسيان “معين” , وهو كالوطن المفقود , يا ليتهم حضروا بالسابق وقابلوا اروع حبيب في هذا العالم , يا ليتهم عرفوا معنى التسامح والحب الذي وزعه ” معين” على كل الاشخاص الذين من حوله.
يخيل اليها الان ان هناك دهرا طويلا فاصلا بين الامس واليوم , و”معين” رفيق دربها اصبح بعيدا عنها , بعيدا جدا , فاصل لا حدود له , فاصل الحي عن الميت , او السليم عن المريض الفاقد الامل بالشفاء والذي يعيش حيا بحكم الميت.
بوغتت بإجراءات المأتم والدفن , واستقبال المعزين الذين كانوا بالمئات , والذين اتوا من جميع ارجاء بريطانيا , وكان بينهم المسلم واليهودي والمسيحي والبوذي والهندوسي والشنتو واليافالي وطوائف اخرى لا تعد ولا تحصى , وكأنهم اتفقوا جميعا على رفض ما حدث , انهم في النهاية أخوة في الانسانية ,أخوة في البشرية , أخوة في الأديان واللغات والبلدان.
كان Anthony يبكي بحرقة صديقه الذي عاش معه منذ الطفولة , يبكى فقدان أخ ملئ عليه حياته ويحبه اكثر من نفسه , لقد خرجا معا في ذلك اليوم للتمشية قليلا والغذاء في احد المطاعم , كان القطار شديد الازدحام , وكان الانفجار هائلا وشاهد ” معين” وهو يقع بجانبه والشظايا تحيط بهم من كل جانب , ومع ذلك كانت قلوبهم واحدة وخوفهم على بعضهم البعض مشتركا , فكل منهم يحاول ان يحمي الاخر من هذه الشظايا , حتى وقعت حديدة ضخمة على جسم ” معين” وأغمي عليه , وحاول Anthony بكل ما اوتي من قوة ازاحتها ولكنه فشل وظل يصرخ ويصرخ على باقي الركاب الاخرين لإنقاذ صديق عمره حتى ازيلت ولكن بعد فوات الاوان , وألان هو واقف أمام قبر صديقه الوفي , كان يحاول ان يتجلد كرجل تلقى خبر اعدامه , كطير منتفض في عشه في ليلة باردة ممطرة , ولكنه في نهاية المطاف , بكى بمرارة صديقا وفيا غاب عنه للأبد.
كان والد ” معين” حزنه مضاعفا لفقدان ولده الغالي الى قلبه ولحبس ” عزت” بعد اعترافه بالكامل لما حدث معه وذلك عندما علم عن وفاة اخيه.
بعد ايام , اندمل جرحها , ولكن لم تستعد عقلها , ولم يعد لها رغبة في الحياة بعد ان علمت بأنها ستكمل الحياة بدونه كانت تتظاهر بأنها بخير رغما عنها , كانت تجامل هذا وذاك , وتود ان تقول لهم ( دعوني وحدي) وليس لها خيار إلا اعتبار ما حدث مجرد خيال لم يحدث , كان بداخلها اشتياق قاتل الى حديثه , الى صوته , الى حنانه , الى رصانته , الى ملامح ابنها وهو ينادي ” أبي” وضرباته العنيفة في بطنها التي تبلغها بان هناك روحا منه لا تزال تعيش بداخلها , روايته الاخيرة بعنوان ( أحببت يهودية) هي الشيء الوحيد التي تحمله معها اينما ذهبت , انها تخاف من تلك اللحظات التي يأتي اليها مندفعا ويسألها عن رأيها بها.
أنه الاسبوع الثاني على وفاة ” معين” أنه لا يزال امامها يمشي ويفكر بها ويقبلها , انها تحس بأنها مشدودة للجلوس على قهوتهم وعلى كرسيه المفضل حيث تعارفا , صرخت بها صديقتها ” MIA ” أكثر من مرة قائلة لها :
– ابكي ,ارجوك ان تبكي.
ولكنها لم تبك بل اصبحت متعذبة لماض بعيد , متثاقلة الحركة , في وجهها الجميل نحول واصفرار وفي عينيها النجلاوين ذبول وانكسار.
ذهبت الى قهوته المعتادة و اتت النادلة ” سيتا” وحضنتها بشده وعزتها بحزن واضح على وجهها وقالت لها:
– لا تتصوري مدى حزني على موت الاستاذ ” معين” , انه ابي الروحي , فأنا لم أذهب للبحث عنه , بل هو الذي ظهر في حياتي بدون أي موعد سابق , واستطاع أن يغير جزءاً كبيراً منها , بأخلاقه وتواضعه , فقلما يظهر في حياتك شخص يمزج بين الثقافة والعلوم والأدب والفلسفة والإيمان معاً ! دائما يقول لي هيا ابداءي حياتك , وبالفعل تزوجت عن اقتناع كامل وبمواصفات اخبرني عنها , اني أفتقد نبراته الأبوية التي كانت دائما تنصحني وتشجعني على العمل رغم كل الإحباطات التي مرت بي , آه كم أفتقد الإنسان والمعلم اليوم! لكن ما يعزّيني أن أفكاره وروحه تعيش بيننا بفضل ما تركه لنا من كنـز معرفي ، املة أن يجد صداه بين الأجيال , لقد نذرت ان اضع جميع كتبه في هذه القهوة , واخبر الجميع عن نبل اخلاقه وطباعه.
شكرتها على كلامها اللطيف, وطلبت منها القهوة التي كان يحبها ” معين” فربما ترتاح لسوادها لارتباطها العميق بالحزن والألم.
ما كانت قادرة على العودة الى شقتهم متخيلة ان ” معين” لن يدخل عليها مرة اخرى , اتت النادلة وسلمتها اوراق صفراء صغيرة تخص ” معين” وقلمه الرصاص , اخذتها وتوجهت الى والد ” معين ” في دكانه , الذي رحب بها وشعر بالسعادة تغمره , انه يشم ” معين” من خلال يديها ووجهها , قال لها بفرحة ظاهرة:
– ارجوك يا ابنتي ان تحضري في أوقات فراغك , فمنظرك يذكرني بصباح يوم جديد حيث شروق الشمس حيث صوت العصافير , حيث بداية لحياة اوشكت على الانتهاء , اود رؤيتك يوميا , اود ان ارجع للوراء وأشاهد فرحة “معين” وذاك الشعور الظاهر على وجهه وهو ينتظر رؤيتك , اود الاستماع لسعادته التي تملئ البحار وهو يتحدث عنك.
– بالطبع ياعمي , ولدي لك خبر سيسعدك فانا حامل.
حضنها بفرحة غامرة وقال:
– يا له من خبر جميل اعاد لي الحياة بعد ان فقدتها , لقد احاط بي سياج من ألم وجرح عميق لا يزال حتى هذه اللحظة يؤلمني , يقتلني , ولكني الان اود ان اعود الى هذه الحياة لكي اكون اول من يقول لهذا الطفل ( احبك أكثر من روحي).
عادت الى منزلها , وكانت صورها مع ” معين ” في كل مكان فيه تذكرها عندما كنت تجلس بحضنه لتلتف يديه حولها فيرسم في عقلها طريقا مليئا بالحب , وسهما يخترق قلبها بأعذب الألحان .
تنهدت قليلا ثم فتحت الاوراق التي اخذتها من ” سيتا” بلهفة واضحة على وجهها وكأنها تملك كنوز العالم وبدأت بقراءة خطه الجميل المميز :

الورقة الاولى :

ارفع راسي قليلا في هذه القهوة لارتاح من هذه الرواية التي اتعبتني بنهايتها , اريد العودة سريعا الى عشنا , اتنفس مع ” مريم ” نسمات العشاق , نسمات ايقظت بداخلي رجلا مرتبكا بأحاسيسه , ويرى نفسه بأنه انسان ظالم لامرأة تركت كل شيء من أجله , مالها , وأهلها , هل سأكون كل امنياتها التي تعوضها عن هذا الحرمان !!

الورقة الثانية:

ارى صورة “مريم ” في الجرائد وهم يتحدثون عن نجاحاتها المتتالية وصفقاتها وأعمالها الخيرية , ابتسم لها وكأنها أمامي , افتخر بها كرمز لامرأة مكافحة , ومع كل هذه الشهرة , فهي تجد أني محور حياتها , وأني نافذتها الى هذا العالم الكبير الصغير , يا لها من امرأة رائعة.
الورقة الثالثة:

أظن اني عشت عدة رجال في رجل واحد , واني في كل حياة واجهت مصاعب عدة , ولكني واجهتها وعدت واقفا , ولكن في الفترة الاخيرة شعرت بثقل السنين وأردت ان أكون بجانب ” مريم ” وأسعدها دائما , مختصرا لكل المسافات الشائكة في حياتي السابقة والحالية , لاضمها في قلبي كقصيدة حب خالدة وددت حقا لو كتبتها.

الورقة الرابعة:

لم اخبرها باني كنت اعيش بأوجاعي ولا استطيع النوم عندما فقدت زوجتي , وكنت اتحدث الى جدران المنزل واسأله عن احبة لي مروا يوما من هنا , سكنوا معي ثم تركوني ورحلوا , ولكن هذه الاصوات اصبحت ذكرى جميلة عندما قابلتها.

الورقة الخامسة

دائما تقول لي ” مريم” صمتك هو عشقي وخوفي , أنها لا تعلم باني أحببتها بصمت لان الصمت هو لغة العقول ولغة الليل المليئة بالسكون , هي اجمل قصة حب كتبتها في حياتي , همساتها الحائرة تزيد من جنون حبي , نورها ملا كل ذاتي , طاردتها كصقر عربي , يبحث عن غنيمته القيمة ولا يريد ان يتنازل عنها مهما حدث له , كانت كحبة العنب تسللت الى قلبي كطعم لذيذ مربوط بسلاسل الهيمان , وتوجتها اجمل فواكه العالم, كفواكه من الجنة.

الورقة السادسة:

حبيبتي ” مريم ” متجددة دائما , وعرفت كيف تسيطر على عقلي وقلبي , كل يوم اجدها قد اعدت اكلة جديدة , وهي التي تستطيع ان تحضر مطعما كاملا الى بيتنا , ولكنها تعلم تماما ان أي زوج يعشق ان يأكل من يد زوجته مهما كان يمتلك من خدم وحشم ,كانت تخلق من حولي عالما قريبا من رغباتي الحقيقية , كان كل شيء معها سهلا , تلقائيا , يتحرك وفق احساسها الصادق , وأي هدية بسيطة اهديها لها تفرح بها وتتصرف كالأطفال الابرياء بنظرة السعادة الحقيقية الظاهرة في اعينها , اني اشعر بالسعادة والهناء لمجرد كونها بالقرب مني , ربي لا تحرمني منها.

الورقة السابعة:

كل انسان يحب من يعشقه في حدود , ولكني أحببت ” مريم ” بلا حدود وبلا روابط , والسبب اني رأيت ملاكا يمشي على الارض بلا اجنحة وكأنها تمتلك صفات خاصة منحها الله لها فقط , لأول مرة انسى ان اقبلها وأقول لها “أحبك” وهذا زلة لسان لا تغتفر , سأهديها اليوم وردة بيضاء واعتذر لها عن مقدار الوله الذي افتقدته ببعدها عنها وان ايامي وساعات عمري باختصار ليس لها اي قيمة بدونها.

الورقة الثامنة:

كل صباح فجر جديد أتامل قلمي الرصاص , الذي شاركني في حب “مريم ” , والذي وضع أسمها في كل صفحة من روايتي الجديدة موشحا بالعقيق والزمرد , لكن قلمي كقبرى لا يتسع لأثنين , لذلك بريته بأحاسيسي فخاف ان أنساه , فبكى وثار , ثم اقتنع بان الحياة والكتابة لا تزدهر إلا بحب شخص واحد , فأبتهل الي طالبا المغفرة , فسامحته على ما حدث , وفاضت أنهاره عن عالم “مريم ” الجديد الذي تحولت فيه الى قيثارة تعزف لي أنغام الكتابة والعشق عن طريق النوتة الموسيقية المهيأة للحب.

الورقة التاسعة:

اليوم انهيت الفصل الاخير من روايتي , كانت اخصب فترة اعيشها ككاتب , لان علاقتي العاطفية مع ” مريم ” كانت خالية من الوقت الضائع والاستفسارات العقيمة , وبقدر ما اعطتني كامرأة , بقدر ما اعطيت الكتابة من اخلاص , لم تجعلني يوما احس بان لنا علاقة بمعنى الارتباط الزوجي المقيد بسلاسل والذي يكبلك بالأرض , كنت حرا , وبقدر هذه الحرية , تحتم علي احترام حريتها , شكر الى أعظم امرأة رايتها على وجه الارض.
****
بدا الضيق يعتصرها , هاهو الجرح الذي يملئ قلبها بالثكل ومرارة الفقدان لا يبرأ تحاول ان ترفع رأسها , لكي تطلب من الله ان لا تنزل دمعتها , ولكن هاجمتها أخيرا دموعها لاذعة بسخونتها , بدأت انهار المطر تنهمر , تشعر بها , تغرق فيها , انه كالندب و العويل , اذابت الكحل الذي اجبر نفسه عن التنازل عن وهم القوة والقسوة , ليزرع بداخلها امرأة اكثر حنانا وإنسانية لولدها الذي سيكون امتدادا لشريك عمرها الماضي والحاضر والمحفور في قلبها وعقلها والذي سيستجمع كل الذكريات التي في مخيلتها لتكون ملاذها من مجهول قادم.
( مازالت الى الان تنتظر عودته لتخبره عن اخر التطورات في حياتها , وعن نشرها لروايته الاخيرة التي تصدرت قائمة المبيعات بمعناها المشرق )

في النهاية

. انا مسلم سعودي سني.

.. أعز اصدقائي يدعى ” هاني” وهو شيعي .

… معلمتي في أمريكا قبل أكثر من عشرين عاما كانت يهودية تدعى “Anat” وكان لها الفضل الاكبر في رعايتي وغرس حب القراءة للكتب التاريخية والثقافية المتنوعة.
….لن انسى عائلة Phyllis and Bruce المسيحية الامريكية التي “استضافت ولدي” عبد الله ” سنة كاملة في امريكا وكانت ترعاه وتحافظ عليه كأولادها بل وأكثر , وعندما اتوا الى زيارة السعودية قضوا اسبوعا كاملا في منزلي.
وددت ان اعرض خطابهم الذي ارسلوه الى اصدقائهم عند عودتهم الى ديارهم على الـ face book , يقولون فيه:
( أن تكون صديقي ليس بالضرورة أن تكون على ديني أو مذهبي , مفهوم الصداقة يتجاوز ذلك بكثير ، ألا يكفي أن أصلنا واحد ،ألا يكفي أننا جيران في هذا الكوكب , ليس عيبا أن يكون لنا أصدقاء مسلمين وسعوديين , لقد استضافتنا هذه العائلة السعودية وكأننا فرد من عائلتهم , كان الاعلام مغيبا عندما شرح لنا بأنك ستجد صراصير في أكلهم , وبأنك ستعيش في خيمة في صحراء قاحلة قاتلة , و ستقتل حال وصولك للمطار , يا ليت الاعلام اتى معنا وشاهد معنا كيف كان التطور الهائل الذي تعيشه السعودية , وكيف ان يكون لك اخ وصديق في كل مكان في العالم بغض النظر عن ديانته )

هل فهمتم ما اقصده ؟؟!!
ازيحوا النقاط السوداء من عقولكم وضعوا بدلا منها نقاط بيضاء مغلفة بالحب
الغلاف الخارجي – نهاية الكتاب-
الى الان لازلت اتساءل كيف انتهيت من كتابة هذه الرواية , التي أهدتني مذاقا مختلفا في طعم الحب الصافي البعيد عن العنصرية.
كانت هذه الرواية ومنذ بدايتها متعبة لي ومختلفة عن رواياتي السابقة, فقد كنت ولا ازال خائفا أن لا يتقبل المجتمع فكرة هذه الرواية لعدم فهمهم المقصد منها , ولكني في النهاية قررت ان امضي بها وزرعت بداخلها قصة حب جميلة تكررت منذ زمن قريب أو بعيد أو حاضر جديد ولا تزال تتكرر.
لقد دفع هذا العاشق عمرا كاملا يبحث عن أحساس صادق وقلب يجمعه مع الحب بلا هجر أو حرمان , ثم وضع كلماته على ورق الزهر مخلوطا بطوق من الفل لكي يحميه من الاحزان فظهرت بطلته اليهودية امامه التي احبها بغض النظر عن جنسيتها.
في الصفحات الاخيرة من الرواية اجدني محتارا في أمرين ,ان اجعلها نهاية تخصني , او اجعلها تحمل في طياتها نهاية يطلبها القراء.
ولكن ماذا سيستفيد القارئ لو كتب الكاتب نهاية تعجب الجميع , فمن يرغب بألم الحقيقة فليؤلفها بصدق.
ما اسعدني بصحبتكم في روايتكم

Leave A Reply