حكم مصر عبر التاريخ بين جبروت الفرعون والضعف والهون

0 103
كتب : احمد العش
** لم تعرف مصر عبر تاريخها المديد مفهوم الوسطيه فى الحكم الا على استحياء وفى فترات متفاوتة من الزمن ، وقد بدت هذه المفارقة العجيبة بجلاء في أفئدة من الناس الذين استوفوا هذه الملكة الفريدة ، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر عمرو بن العاص أول والى أموى فى مصر وعقبة بن عامر الجهنى وعبدالعزيز بن مروان وصلاح الدين وقطز وبيبرس ومحمد بن قلاوون ، وبشهادة التاريخ كانت مصر فى عهد هؤلاء فى ذروتها السياسية والاقتصادية والعلمية ، ومن العسير حقا أن ذاك المفهوم الوسطى للحكم كان عابرا فى مراحل متفرقة من الزمن كما أسلفنا فى مطلع السياق ، ومن العسير كذلك أن معظم مراحل التاريخ المصرى اقترنت بمضمارين للحكم فكان النمط الأول يشير الى تجسيد شخصية الفرعون بكل ما يعنى من رمسيس الثانى الذى وصل بطغيانه الى مرحلة الالحاد حتى قال أنا ربكم الأعلى ، وحسبك أن أثر هذا الفرعون رمسيس الثانى قد امتد الى معظم الفترات اللاحقة مع حكم مصر حتى وصل الحال بالدولة المصرية بأنها لم تسلم من الحاكم الفرعون ولو مرة على الأقل كل مائة سنة وكان أخر هؤلاء حسنى لا مبارك الذى حكم مصر مستمدا أعمال فرعون فى كل شىء الا الكفر الصريح بالله تعالى ، وبينما كان النمط الثانى لحكم مصر يمضى الى النقيض من الطغيان والبطش والجبروت حيث الضعف والوهن حينا والمساومة والمهادنة مع الخارج حينا أخر ، ومن أبرز هؤلاء الخديوى توفيق ومعه آخرين من الأسرة العلوية ، ومن حاكم مستبد وسلطوى الى آخر ضعيف وفوضوى تضيع الدولة المصرية فى بحر عميق من الظلمات وأقرب مثال على ذلك حسنى لا مبارك كرمز للاستبداد والعناد ، ومحمد مرسى رجل الدين لا رجل الدولة والذى كان ضحية نرجسية الاخوان والسلفيين الذين كانوا يبتغون به حاكما صوريا يصدع لحزمة قراراتهم غير المدروسة فكانت النتيجة الحتمية هى ضياع حلم التجربة الاسلامية على أرض مصر ، والحق أنى لم أكن متبنيا لفكرة التجنى ، ولم أكن داعيا الى التعدى ، بقدر ايمانى ويقينى برؤية التمنى ، التى لا تتعدى فى مجملها المفهوم الوسطى للحكم وهنا أسترشد بمقولة سيدنا معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه ، وهى انى لا أضع سيفى حيث يكفينى سوطى ولا أضع سوطى حيث يكفينى لسانى ولو أن بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت كانوا اذا مدوها أرخيتها واذا أرخوها مددتها ، هكذا قال معاوية رضى الله عنه ثانى أعظم سياسى في التاريخ بعد النبى صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت أطروحته التى كان يبتغى بها حكما يقترب من المثالية دون الهرب من الواقعية ، ولنا في معاوية الصحابى الجليل رضى الله عنه الأسوة والقدوة في سياسة الناس بعد النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكيف لا وهو أحد كتبة الوحى وأحد القلائل الذين اتصفوا بالحلم وهو الرجل الذى قاد امارة الشام لنحو عشرين سنة كاملة بميزان الحنكة والحكمة ، وعشرين سنة أخرى القائد الأول للدولة الاسلامية بجهد جهيد وفكر سديد وسياسة مرنة لم تصل الى حد الشدة والجور ، ولم تبلغ منحى الضعف والهون ، وأخيرا وبنبرة حزن مقتضبة ، متى يأتى ذلك اليوم الذى نرى فيه نموذجا يحكم مصر ، بمعشار كاريزما معاوية بن أبى سفيان ؟؟

Leave A Reply