بقلم د.حاتم محمد صالح: حقيقة البحث العلمى فى مصر

0 102

منذ عهد ثورة مصر الطاهرة فى 25 يناير والحديث في مصر لا ينقطع عن أهمية دور البحث العلمي وكونه المدخل الوحيد إلى الإصلاح الحقيقي المنشود للمجتمع المصرى كله، بالرغم من اتساع الفجوة بين مصر وبين المستوى البحثي والأكاديمي فى العالم المتقدم، فمصر عموماُ تفتقرإلى سياسية علمية واضحة ، فضلاُ عن العديد من المعوقات السلبية التي تحول دون وصول مصر إلى مستوى الدول المتقدمة. ومهما كانت أسباب التخلف العلمى المصرى فإن البقاء خارج دائرة التطورالعلمي هو أمرغيرلائق ولا مقبول ، في ظل التقدم التقني للغرب والبحث الدائم الدؤوب ،والجودة فى التقنية العالية والتطويرالمستمر، وصرف المليارات على البحث العلمي فى القرن الحادى والعشرين ، بينما مصر تصرف المليارات على الفضائيات الكاذبة والأفلام الخليعة والبرامج الهابطة والحفلات الماجنة والرقص الخليع وغيره . لقد كان الهدف الأساس من إنشاء الجامعات الحكومية أو الخاصة فى مصر وتكاثرها في كل ربوع مصر من سيناء الى أسوان ، أن تتحول في أقصرمدة ممكنة إلى مراكزبحث وإشعاع ، والايظل جهدها محصوراً على التعليم التلقينى وكأنها كتاتيب أومدارس تنتج الكتبة وموظفي الدواوين الحكومية ، وعلى الرغم من مرورالكثير من الوقت تزايد معه عدد هذه الجامعات ، وزادت معها مساحة التفاؤل الا أن شيئاً من تلك الأهداف الأساسية لم يتحقق بعد ، ربما تكون بعض هذه الجامعات قد نجحت إلى حد كبيرفي استعارة أسماءمناهج العلم من جامعات الخارج المتقدم ولكنها فشلت فى أيجاد طرق لتطبيقها على الواقع ولن تجد فى مصر جامعة واحدة نجحت أن تستخدم تلك المناهج لتطبيقها في المجال العلمي والدخول إلى عالم التقنيات الحديثة ، لكي تشكل بذلك نقلة نوعية جديدة تنهي أوعلى الأقل تقلل من اعتمادنا الذليل على الغرب المتربص بنا. كما أن معظم هذه الجامعات تعتمدعلى ميزانيات التشغيل ومرتبات العاملين ، ولا مكان فيها لشيء اسمه البحث العلمي الذي ينبغي أن يتم الإنفاق عليه بسخاء ليتمكن الباحثون من اكتشاف الطريق الصحيح إلى التطورالقائم على المعرفة ، والتخطيط والمنهجية وليس على الاجتهادات والعشوائية والفهلوة التى نشتهر بها فى مصر. .
فالحقيقة الموضوعية تؤكد إنه ما من سبب في تعثرالأبحاث العلمية وتراجعها المستمرفي مصر سوى غياب التخطيط وضاءلة الإمكانات والمحسوبية والرشوة وتفاهة الفكر وفساد الأدارة. ولا أغفل هنا الإشارة إلى أن أبجدية البحث العلمي تبدأ من دور الحضانة ، وأن إصلاح التعليم فى مصر يعتمد على تدريب التلاميذ من نعومة أظفارهم على رؤية ما حولهم بعيون وعقول واعية قادرة على التقاط الأشياء والحكم عليها ، أوالتعامل معها بفهم ، يقتضي وقتاً أطول وإعداداً متكامل لجموع المدرسين المؤهلين الذين سيوكل إليهم أمرإعداد علماء المستقبل للعبور بمصرمن وضعها الراهن إلى النهضة العلمية والمجتمعية المنشودة. إن المجتمعات في الدول المتقدمة تدعم المؤسسات البحثية ماديًا ومعنويًا وأخلاقياً ، ولا تبخل عليها بالمال أوالإمكانات ، حتى إنه في كثيرمن الأحيان تنظم المظاهرات مطالبةحكومتها بالإنفاق بسخاء لإجراء المزيد من البحوث العلمية لخدمة أغراضها الوطنية. بينما تنظرمصر نظرة سلبية إلى البحث العلمي، وربما يرجع ذلك للتنشئة الاجتماعية للشعب المصرى العربية الغير مدرك لخطورة تدهورالبحث العلمي عندنا ، وتأخرنا عن ركب الحضارة مقارنة حتى بجيراننا فى المنطقة. إن إلقاء نظرة عن كثب داخل قطاع البحث العلمي في إسرائيل ومراقبة التطورالتكنولوجى المذهل هناك، واستغلال إسرائيل لأمكانياتها المادية القصوى، تجعلنا نعي أي خطر سوف يحمله لنا القرن الحالى في حال المواجهة مع إسرائيل. فالمواجهة العلمية والاقتصادية لزمن السلم أصعب بكثير من المواجهة في زمن الحرب!!
والناظرإلى حال التمويل للبحث العلمي فى مصر ، نجد أنه يختلف كثيرًا عن المعدل العالمي للإنفاق على البحث العلمي ، يعد القطاع الحكومي الممول الرئيس لنظم البحث العلمي مصر،. وذلك على عكس الدول المتقدمة وخصوصاً إسرائيل حيث تتراوح حصة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي في اليابان 80٪ ، و56٪ في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ومن المدهش أن أكثر عشرة دول تعليم علي مستوي العالم ، وبالضرورة ستجد أن البحث العلمي في تلك الدول متقدم وهى على الترتيب كندا , أسرائيل ,اليابان, الولايات المتحدة الأمريكية , نيوزلنده, كوريا الجنوبية
, الممكلة المتحدة, فنلندا, أستراليا, إيرلنده ويذكر أن ميزانية البحث العلمي في دولة إسرائيل أكبر من ميزانيات البحث العلمي في كل دول الوطن العربي وأفريقيا ماعدا دولة جنوب أفريقيا مجتمعة!
أن إحصائيات سنة 2014م لمنظمة اليونسكو تشير إلى أن الدول العربية مجتمعة قد خصصت للبحث العلمي ما يعادل 1.7 ملياردولارفقط ، أي ما نسبته 0.3٪ من الناتج القومي الإجمالي تضيع هدراً فى المرتبات والمؤتمرات والاحتفالات والدعاية الأعلانية لمجهودات وهمية بينماً فى أسرائيل وصلت نسبة الإنفاق على البحث العلمي إلى 5.7٪ من ناتجها القومي الإجمالي بلغت حوالي 19 ملياردولار.
علمًا بأن معدل ما تصرفه حكومة إسرائيل على البحث والتطويرالمدني في مؤسسات التعليم العالي ما يوازي 30.6٪ من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي بكامله ، بينما يصرف الباقي على المنشآت والصيانة والتجهيزات ، بينما يصرف القطاع الخاص ما نسبته 52٪ من الإنفاق العام على الأبحاث والتطوير، وإذا قورن وضع إسرائيل بالدول المتقدمة الأخرى ، نجد أنها تنافس وتسبق كثيرًا من الدول الغنية والبلدان المتقدمة في هذا الميدان ، حيث تحتل إسرائيل المركز الثانى في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة بعد «وادي السيليكون» في كاليفورنيا وبوسطن ، والمركزالثانى عشر بين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات. أما بالنسبة إلى عدد سكانها قياسًا إلى مساحتها فهي الأولى في العالم على صعيد إنتاج البحوث العلمية..
وهذا الإسهام الضعيف من قبل المجتمع للمؤسسات البحثية فى مصر يرجع إلى عدم تقديرالقطاع الخاص لقيمة البحث العلمي وجدواه. إضافة إلى عدم كفاية الميزانيات التي ترصدها المراكز والجامعات ومؤسسات المجتمع للبحث العلمي ، وإلى الفساد المالي والإداري الملحوظ في الجامعات ومراكز البحوث. ومن جانب آخر فإن مخصصات البحث العلمي في الدول المتقدمة تزداد عامًا بعد آخر، إذ تتضاعف كل ثلاث سنوات تقريبًا ، وتتجاوزنسبة مخصصات البحث العلمي في بعض الدول المتقدمة 4٪ من إجمالي الناتج القومي .
وبالنسبة لبراءات الاختراع وهي المؤشرالاكثرتباينا بين العرب (منهم مصر) واسرائيل، فقد سجلت أسرائيل ما مقداره 17000 براءة اختراع ، بينما سجل العرب مجتمعين حوالي 836 براءة اختراع في كل تاريخ حياتهم ، وهويمثل 5% من عدد براءات الاختراع المسجلة في إسرائيل!. أما عن نشرالابحاث العلمية في المجلات العلمية فقد نشرالباحثون الأسرائيليون 138,881 بحث , بينما نشرالعرب حوالي 140,000 بحث. على الرغم من أن عدد الابحاث متقارب, إلا أن جودة ونوعية الأبحاث الأسرائيلية أعلى بكثيرمن الابحاث العربية وبالطبع المصرية !
والعجيب أن مصر بها أكثرمن 130 ألف حاصل على الدكتوراه ، بنسبة أكبرمن الموجودة في أمريكا وأسرائيل معاً!
من ناحية أخرى فان مراكزالبحوث والجامعات المصرية تعاني من مشكلات عديدة من بينها انشعال عدد كبيرمن أعضاء هيئة التدريس في العمل الإضافي ، وقلة عدد الباحثين والمختصين، وندرة بل فشل تكوين فرق بحثية متكاملة ، فالبحوث التي تجري بين جدرانها من جانب أساتذتها إنما هي بحوث فردية لأساتذة يحاولون الإنتاج العلمي بغية الترقي ، أوالنشر، وهي بحوث أضعف من أن تحل مشكلات المجتمع أوتعمل على تقدمه ودائما يدفع فاتورة هذة الأبحاث الطلبة المساكين التعساء الذين يبغون الحصول على درجة علمية تحت أيدى هولاء الأساتذة ويعملون كالعبيد ولا ينالوا حقهم فى النشر العلمى. وهذا من الأسباب التى ساعدت على هروب الطلاب من الكليات العلمية ، مما ينذر بانقراض علماء المستقبل فى مصر.
كما تعاني المراكزالبحثية من الأنفصال شبه الكامل بينها وبين المجالات التطبيقية خارج أسوارها أومعاملها، وكذا انفصام الصلة بين الجامعات وحقل الإنتاج، وابتعاد الجامعات عن إجراء البحوث التكاملية مع الصناعة للمساهمة في حل المشكلات الوطنية ، إضافة إلى عدم مشاركة الشركات والأثرياء من الأفراد في نفقات البحث العلمي بالرغم من تزايد اعداد المليارديرات فى مصر..
إضافة إلى وجود البيروقراطية والمشكلات الإدارية والتنظيمية، والفساد المالي والإداري في مؤسسات البحث العلمي الحكومية ، إلى جانب تأخرعملية نقل المعلومة التقنية من الدول المتقدمة ، وبقاء كثيرمن مراكزالبحوث تحت قيادات قديمة مترهلة بحجة الأقدمية والتاريخ ، غيرمدركة لأبعاد التقدم العالمي في ميادين البحث العلمي لا سيما في العلوم التكنولوجية والفيزيقية ، وإهمال التدريب المستمرللباحثين ، ومن ثم يتم تهجير أو هجرة ـ هذه العقول المصرية في مختلف التخصصات واستقرارهم في الدول الغربية بحثا عن مناخ أفضل للمعيشة ، والبحث العلمى ، لتجد هذه العقول البيئة العلمية المناسبة لها، والمعززة لمواهبها، والداعمة لأفكارها الابتكارية وأستشهاداً للتقاريرالتى صدرت عن الجامعة العربية ، ومؤسسة العمل العربية ، و الأمم المتحدة عام 2012 ، والتى تشير إلى أن المجتمعات العربية ومنها مصر قد أصبحت بيئة طاردة للعقول المتميزة ، والكفاءات العلمية إلى الخارج وعدم أهتمام المجتمع المصرى ككل بالبحث العلمى كما إن إهتمام إسرائيل بمتابعة ، و قراءة كل ما يتم نشره وبثه عبر وسائل الإعلام العربية المختلفة ، مما جعلها أكثر قدرة و تأثيراعلى القرارات الدولية ، كما جعلها تحتل المركز الثالث فى تكنولوجيا المعلومات بينما تحتل مصر المرتبة الستين ما بين دول العالم ، مما يؤدى بالتالى إلى إنخفاض معدل إنتاجية البحث العلمى فى مصر، والذى يتراوح ما بين ( 1:2.2) وهو معدل منخفض مقارنة بدول أخرى مثل إسرائيل حيث تبلغ نحو(9% ) بينما يرتفع فى الصين إلى ( 15% ) . البحث العلمي هو الدعامة الحقيقة لنهضة الأمم ورقيها ، كما أنه دليل تقدمها وريادتها ، فالعلاقة بين البحث العلمي والحضارة والتمدين علاقة طردية ، ومن ثم فلا يجوز أن يُنظر إلي البحث العلمي علي أنه ترف علمي ، أو ذهني ، لأن في ذلك تهميشا له ، وللدور الذي يلعبه في تقدم الأمم والشعوب من أجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض، وهذا الجهد المنظم لا يمكن أن يجري في فراغ، حيث ينبغي توفير الحرية والدعم و الأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات، وتأهيل الكوادر البشرية، وخلق الحوافز المادية والمعنوية، التي تجعل من الإنتاج الفكري عملاً يستحق المعاناة والجهد المتواصل.. إذ بالإنتاج الفكري العلمى المنظم نكون أولا نكون!.

بقلم دكتور / حاتم محمد صالح
باحث فى الوراثة البشرية
الهيئة المصرية للأمصال واللقاحات والأدوية (المصل واللقاح)

Leave A Reply