الكاتب العراقى عبدالله بير يكتب لصوت الشعب المصرى “ندم اللقاء “

0 116

ندم اللقاء

            التقت عيناهما في الممر ، عينان ترزحان تحت الم كبيرو فيهما أسى عميق و حزن بلا حدود  و عينان تشعان سعادة و فيهما ذكريات جميلة و سعيدة. لم يصدق كلاهما في تلك اللحظة هذا اللقاء ، الذي لم تحدد موعده ابداً ، إنه لقاء كانا يتمنيانه ولا يتمنيانه ، لقاء بين جنة الماضي و جحيم الحاضر ، لقاء كلاهما غرباء فيه ، لم يكن في الحسبان أن يتم في هذا العالم ، لقاء لم يكن ينتظره لا هو ولا هي ، مرا بجانب بعض دون حتى ابتسامة بسيطة ، كان الذهول سيد الموقف ، بل كان بالنسبة لكليهما وكأن الارض كفت عن الدوران ، و أن الزمن قد توقف ، وأن كل شيء قد انهار في تلك اللحظة ، كانت لحظة نسي كلاهما مفردات اللغة ، نسي كلاهما حتى لغة الاشارات ، بل نسي كلاهما أنهما في مكان ما في هذا العالم ، نسيا أن هناك اناس اخرون معهم ، احست هي بخوف شديد لا حدود له ، فزع كبير و كأنه عفريت خرافي ، احس هو بحزن شديد ، وكأن على أكتافه جبال منه ، كانت لحظة التقائهما و مرورهما متقابلين تُسقِط كل نظريات النسبية ، لم يكن في وسع اي عالم مهما بلغ من العبقرية أن يقيس زمن مرورهما امام البعض لأنها قد تكون لحظات ، ثواني ، ساعات ، قرون  بل ملايين السنين . في تلك اللحظة فقد الزمن كل معنى له ، كان لا يستطيع احدٌ احتسابها بالمقاييس الارضية و قوانين الفيزياء و الجاذبية و النسبية ، انها  لحظة خارج الزمان و المكان . كانت لحظة تنافر و تجاذب في آن معاً ، لحظة لم يبقى من الحياة إلا فتات او شذرات من ذكريات عمرها عشرات السنين ، ذكريات دفينة في طبقات عميقة من ذاكرة الانسانية ،ذكريات كانت في عداد الموتى . ذكريات لم تعد تسبب الأرق ، لم تعد تذرف دموعاً من العيون ، ذكريات لم تعد تزعج مضجعاً . في تلك اللحظة ، وكأن قنبلة نووية جبارة قد انفجرت و عصفت رياحها الهوجاء بفكرهما و دمرت كل شيء ، كل شيء اصبح خراباً ، كل جميل ، كل قبيح ، كل حب ، كل كره ، لم يتبقى إلا أشتات و صحارى و مجهول . ماذا حصل ؟ ماذا جرى في تلك اللحظة ؟ لم يعرف احدٌ شيئاً سواهما ، اسرع هو و دخل غرفته و اسرعت هي و دخلت غرفتها ، كان يبدو وكأنهما يهربان من كابوس مرعب.

 ما أن وصل غرفته ،حتى اسقط نفسه على اريكة جلدية غالية الثمن ، بهذه الحركة اراد ان يغوص في اعماق الارض ، اغمض عينيه و دخل في حالة شبيهة بالغيبوبة . دخلت غرفتها و اسرعت تغلق الباب وراءها و جلست على كرسيها كأنها تهرب من شيء مخيف جداً  وترتجف كأن بها حمى قوية . كانت مرتبكة ومكسورة و باهتة اللون. اندهش اصدقاءها و صديقاتها الموجودون في الغرفة معها و لم يعرفوا ماذا حصل لها و تساءل فيما بينهم بالإشارات و لكنهم لم يتبينوا شيئاً ، فاقتربت احدى موظفات منها وقالت :

  • ليلى ، ليلى ، ماذا بك ؟ ماذا حصل ؟ هل انت مريضة ؟ هل حدث شيء لك ؟

 لم تجب ليلى و وضعت راسها بين كفيها و سقطت دمعات من عيناها على الورق الذي امامها على الطاولة . دخلت السكرتيرة فوجدت مديرها راقد على الاريكة مغمض العينين و كأنه اصيب بنوبة قلبية او ما شابه ، فقالت بصوت هادئ مشوب بالخوف و الإرباك :

  • سيد جميل ، سيد جميل .

رفع جميل راسه و نهض و عدل من جلسته و رتب من ملابسه و رد:

  • ماذا ، ماذا حصل ؟

فردت سكرتيرة :

  • ماذا حصل لك ؟ هل حضرتك مريض او تعبان ؟ ماذا تامر؟ هل اجلب لك شيئاً تشربه ؟ يبدو إنك لست على ما يرام .

كان يبدو  جميل كمصاب بحمى قوية ،مرهقاً و علامات التعب بادية عليه. فقال :

  • لا شيء ، لا شيء ، فقط، اطلبي لي فنجان قهوة و لا تدعي احداً يدخل عليّ إلا أن اعلمك بذلك ، ولا تحولي اي مكالمة تلفونية مهما كانت مهمة ، و الآن اخرجي رجاءً ، اتركيني لوحدي .

فردت السكرتيرة :

  • هل من امر اخر ؟

لم ينطق جميل باي كلمة إنما اشارة بيده على الخروج ثم قام من مكانه و ذهب ليجلس على كرسيه و رفع راسه ينظر إلى السقف و غاب في تفكير عميق مرة اخرى, صدرت منه تمتمةً خفيفة وهو يكلم نفسه :

  • ” أهذا انت حقاً يا ليلى ؟ ماذا حصل لك ؟ اين جمالك الفتان الذي لم ينافسه جمال ابداً ؟ اين كبريائك و غطرستك؟ اين اختفت كل تلك الاناقة و الجمال ؟ جسمك نحيل و وجهك شاحب و ملابسك رثّة . وكأنكِ في الستين من العمر . لم يبقى من جمالك الذي كنت تتباهين به شيء ، حتى شفتاك لم يبقى فيهما تلك الطراوة و النضارة . هل انت ليلى ايام الجامعة حقاً ، هل انت تلك الفتاة التي لم تكن ترضى إلا بما هو عظيم ، بما هو انيق ، بما هو فخم ، هل تعرفين كنت اعبدك ، لا بالتأكيد كنت تعرفين ، و اعترفت لي بذلك مرات عديدة ، كنت تقولين لي انت تحبني اكثر من الحب و لكن في النهاية تركتني مثل اي كلب يتركه صاحبه في الشارع ، هل تتذكرين الايام التي قضيناها في حديقة الجامعة ، هل تتذكرين الوعود التي كنت الزم نفسي بها لأُرضيك ، هل تتذكرين كم كان لدينا من ذكريات جميلة .”

استيقظ جميل من غفوته على صوت فنجان القهوة التي جلبته السكرتيرة و وضعته امامه على الطاولة ، وكانت تبدو متعمدة في إحداث الصوت منه لأنها ادركت بأنه غارق في تفكير عميق و لا يحس بشيء من حوله .

    من جانبها كانت ليلى هي ايضاً غارقةً في بحر افكارها في غرفتها ، وهي تفكر و تقول في نفسها :

  • ” هذا انت يا جميل ؟ الشاب النحيل الفقير في الجامعة ، عبقري الكلية ، فطن في كل شيء الا في الغنى ، هذا انت يا من كنت تؤمن بان المال لا يصنع الانسان بل الانسان هو الذي يصنع المال ، ماذا حدث ، هل ترك والد زوجتك كل هذا المال و السلطان لك ، ام كانت نظريتك صحيحة و صنعت لنفسك المال ؟ أأنت جميل ذاك الذي كنت احبه رغم فقره ، هل تتذكر ما كنت تقوله لي: انت اجمل الجميلات ، وكنت اضحك من هذه العبارة و اقول لك انت تبالغ كثيراً ، ليس لديك المال فانت تشتريني بالكلام . هل تتذكر لما كنت تقول تزوجيني وسوف اسكنك في بيت متواضع و حولنا اطفالنا نعيش سعداء ولو لم نملك المال ، نعيش مما سأكسبه من اي عمل كان ، ماذا حصل ؟ هل انت جميل ذاك الذي اراه في السوق خلف بسطته يبيع الأشياء القديمة ايام الجمعة ؟ هل انت جميل الذي كان يقول لي “لو تزوجت غيري لن اغفر لك ابداً “، كنت تقول اقبلي بي زوجا و سأكون خادما لك ، سأعمل كل شيء في سبيل ارضائك . لا مستحيل أن تكون انت هو ، مستحيل”.

لم تفق ليلى إلا على صوت دقات صديقتها وهي تضرب الطاولة بيدها و هي تقول :

  • هيا ، ماذا بك ، انتهى وقت الدوام ، لنذهب و لنحلق الباص قبل ان يفوت علينا ويتركنا لأرجلنا .

ابتسمت ليلى ابتسامة باردة و اخذت حقيبة يدها و التحقت بصديقتها التي خرجت لتو . قبل انتهاء وقت الدوام بنصف ساعة طلب جميل من سكرتيرته ان يستدعي مدير ادارة الشركة إلى مكتبه لأمر طارئ، دخل مدير ادارة مكتب جميل و بادر إلى القول :

  • خيراً سيدي المدير ، السكرتيرة قالت إن الامر طارئ .

فرد جميل :

  • نعم ، هناك موظفة جديدة في الشركة و اسمها ليلى على ما اعتقد …….

فأجاب مدير الإدارة على الفور :

  • نعم ، نعم استاذ ، تعمل في الشركة منذ شهرين ، ماذا حصل يا استاذ ؟ هل اخطأت في شيء ما ؟ هل اشتكى عليها احد ؟ إنها امرأة بائسة ، حالتها مريعة و يرثى لها .

فعدّل جميل من جلسته على الكرسي و امسك بورقة بيضاء ينظر فيها و قال بهدوء و برودة :

  • افصلها ، اخرجها من الشركة غداً أعطيها مستحقاتها لهذا الشهر و لا تدعها تدخل الشركة مرة اخرى.

في تلك اثناء عدل كلامه بسرعة وقال :

  • لا ، لا اصرف لها راتبها الشهري بالكامل ، و اصرفها.

تفاجأ مدير الادارة لهذا القرار ، لكن وضع جميل بدا مريعاً, لاحظ مدير الادارة ذلك منذ لحظة دخوله غرفته لذا لم يناقش الامر و قال :

  • الذي تامر به سيُنفذ يا سيدي ، لكن اليوم الدوام انتهى غداَ صباحاً نُبلغها بالأمر .

ثم اضاف :

  • ارجو يا استاذ أن تصدر قراراً بهذا الامر لتقوم شعبة الحسابات باللازم ، هل من امر اخر ؟

اشارة جميل بإشارة النفي و قال :

  • مع السلامة .

كانت ليلى في الطريق- كما في البيت- غارقة في دوامة من الافكار ، لم تعد تحس بشيءٍ حولها ، ولم يحس بها احد ،كانت تقول في نفسها :

  • ” ربما غداً ، سيناديني جميل ، ويعتذر عما اصابني ، ويعتذر لأنه اليوم لم يتكلم معي ، ولكن لماذا يعتذر و ليس هو السبب لما انا فيه أو انه لم يعرفني اليوم ؟ لأنني حقاً تغيرت كثيراً . انا متأكدة انه لن يتركني في هذا المستنقع الكريه الذي انا فيه . ربما سال مدير الادارة اليوم عني و عن حالي . غداً ، سيناديني و يعينني سكرتيرته الخاصة ، سيزيد من راتبي ، سوف استطيع شراء ملابس جديدة و راقية لي ، سوف أتأنق كثيراً مثل ايام الجامعة ، لا بد ان اعود جميلة كما كنت ، سياتي جميل كل صباح ويقول لي “صباح الخير ، هل ممكن ان تجلبي لي فنجان قهوة و ارجو تحضريه بنفسك ، لان القهوة من يديك طيبة جداً” و سأقول له حاضر يا استاذ ، فيلتف و يقول “كم مرة قلت لك لا تقولي لي يا استاذ بل جميل ، انا جميل فقط كما كنت تقولين في الماضي ” . سأعود كما كنت ، سألبس الاجمل ، سأتناول الالذ ، ستزول عني رائحة البصل و الطبخ ، سأشتري احلى العطور ، او سأدعه هو يشتريها لي على ذوقه ، اجل فليشتريها هو ، ليختار لي الملابس و العطور لان ذوقه كان جميلاً “.

بقيت ليلى غارقة في هكذا افكار ، كان جميل هو الاخر يترنح تحت جبال من الافكار الغريبة . و لما وصل إلى البيت كان مهموماً و مرهقاً و مكسوراً ، قال لزوجته :

  • لا اريد تناول الغداء الان ، لأنني مرهق قليلاً ، اريد اخذ قسط من الراحة ، إذا كان ممكناً .

بعد أن دخل جميل غرفته و ابدل ملابسه ، استلقى على السرير دون اخذ حمامِ كالمعتاد ، اخذته افكاره مرة اخرى إلى ايام الجامعة ، وكيف كانت ليلى تصبح فاتنة كلما راته  فتبتسم و تشرق وجهها بإشعاعات غريبة فيحس بانها اجمل مخلوقات الكون . اغمض عينيه وقال في نفسه :

  • ليلى ، كنت فيما مضى داخل روحي و خارج حياتي ، اليوم كنت خارج روحي و داخل حياتي ، لأخرجنَّك من كليهما . اذهبي لا تعودي ، لا تكدري لي حياتي انا سعيد كما انا ، اذهبي كما ذهبت اول مرة . يا الهي ماذا يحدث بعد كل هذه السنين هل ما زلت احبها ؟ كنتِ اليوم امامي ولم استطيع مصارحتك ، لا لن اقبل ان تدخلي حياتي مرة اخرى ، لأنك دمرت حياتي لن اسمح بان تكرريها مرة اخرى . انت رفضتني مرة و لن اقبل بك في المرة الثانية . اذهبي حيث تشائين ، لا يهمني ، الذي يهمني ان تخرجي من حياتي و لا تعودي اليها ابداً ، غداً ، سأنتصر و سأكون سعيداً جداً ، لأن روحي ستتحرر من حبك ، اذهبي لا اريد ان اراك بعد الآن ، لا تعودي لتعكري صفوة روحي ، حياتي سعيدة كما هي ، بنيتها بنفسي ، كما قلت لك سأبني حياتي دون ان اعتمد على احد ، لن اقبل ان تَمسي حياتي من جديد لأنك رفضت ان تشاركني في بنائها ، رفضت ان تكوني شريكة حياتي و رفيقة دربي ، اذهبي حيث تشائين ولكن لا تكوني حيث أرى .

استفاق جميل على صوت زوجته وهي تقول :

  • جميل ، جميل ، حبيبي ، ماذا بك ؟ هل انت مريض ؟ هل ازعجك شيء ما ؟ انهض انه وقت الغروب و لم تتناول شيئاً ، لا بد وانك جائع الآن .

في صباح يوم التالي ، كانت ليلى في حالة اشبه ما تكون بنشوة سَكر ، كانت تحس بإشعاعات السعادة تشرق خلف تلال من تراكمات الحزن العميق  في نفسها . ذهبت إلى غرفتها وجلست على كرسيها  و بدأت بتصفح بعض الاوراق التي أمامها وكانت بحاجة إلى التدقيق فيها ، كانت تشعر بسعادة غريبة كنسمة هواء تهب عليها بين حين و آخر و لا تعرف مصدرها ، كانت تضحك بلا ادنى سبب ، اندهش زملائها من حالتها هذه . في الساعة التاسعة تقريبا ، اتى عامل خدمات الشركة إلى غرفتها وقال :

  • ليلى ، مدير الحسابات يريدك في غرفته الآن .

سمعت ليلى هذا ، و قالت في نفسها ” حانت الساعة ” و اشرق وجهها بالنور ، وزينت وجهها ابتسامة عريضة ، لأنها كانت تظن إنها ساعة اليسر لا محال وأن الفرج قادم . دخلت ليلى غرفة مدير الحسابات و هي تكاد تضحك لأدنى سبب أو تكاد تطير من الفرح ، ولكن ما تمنته لم يكن في انتظارها  ، بل وجدت مدير الحسابات و امامه ورقة و بعض المال ، و هو يقول لها:

  • صدر قرار بصرفك من الشركة ، صُرف لك كامل مستحقاتك لهذا الشهر ، تفضلي وقعي هنا وهذا هو راتبك لهذا الشهر .

لم تدعه ليلى ينهي  كلامه حتى اجهشت بالبكاء ، و لم تقوى على البقاء واقفة فجلست على اقرب كرسي موجود ، وبكت بحرقة شديدة ، وكانت الكلمات تخرج من فمها جملةً واحدة, لا يُفهم منها شيئاً :

  • استاذ ، ماذا … صرف … مستحقات ، ل…ل… لماذا؟ ما…ماهي …ماذا فعلت ، ا…أ….انا محتاجة …..ل…… ل… هذه الوظيفة ، ماذا افعل الآن ؟ اين …. اين ….اذهب ؟ قل يا استاذ من اشتكى عليّ ؟ ماذا فعلت كي يتم طردي من الشركة ؟ انا ، انا ، ماذا افعل ، لدي زوج معاق و اطفال صغار ، اجرة بيت اسكن فيه ، لابد أن هناك خطاء ما ، استفسر لا بد من ان هناك خطأ ما ، الم تعرف السبب يا استاذ ، اعطني فرصة اراجع مدير الشركة ، يمكن ان يكون هناك خطأ ما .

بعد أن رق قلبه لها, نصحها مدير الحسابات ان تراجع مدير الادارة لمعرفة السبب، ذهبت ليلى إلى غرفة مدير الإدارة كي تعرف تفاصيل هذا القرار المفاجئ ، وكان هو ايضاً في حالة من الذهول و الدهشة ، ما أن رأى ليلى بادر الى القول :

  • ليلى ، ليس الامر بيدي ، انه قرار صاحب الشركة .

فقالت وهي تغلي في داخلها وترتجف كمن يسبح في مياه متجمدة و بصوت يخالطه البكاء :

  • اريد ان اراجع مدير الشركة ، هل هذا ممكن ؟ ارجوك ساعدني يا استاذ انت تعرف ظروفي ارجوك ساعدني يا استاذ .

فقال مدير الإدارة بصوت هادئ :

  • المدير اصدر قرار بان لا يراجع مكتبه اي موظف مهما كانت الاسباب ، لم يبقى لك إلا أن تنفذي الامر، وارى من الاحسن ان تذهبي و تستلمي مستحقاتك و تخرجي من الشركة بهدوء.

كانت كلمات مدير الادارة صادمة لليلى ، فلم تعرف ماذا تفعل ، تبكي  ام تضحك؟ و اهتزت شفتها السفلى قليلاً و تمردت كلماتها و ابت الخروج من فمها ، ثم فجأة انحنت وحاولت تقبيل يد المدير و أجهشت بالبكاء مرة اخرى و جلست على ركبتيها على الارض واخفت وجها بين يديها و اخذت تبكي بمرارة ، مد مدير الإدارة يده إليها و انهضها من الارض و قال لها :

  • سأحاول مرة اخرى مع سيد جميل و الآن اذهبي إلى الحمام اغسلي وجهك و اذهبي إلى غرفتك و سوف ارى ماذا أستطيع أن أفعل .

ما أن سمعت ليلى باسم جميل حتى بدت بالبكاء من جديد و خرجت من الغرفة وهي نادمة على اللقاء الذي حدث البارحة.

دخل مدير الإدارة إلى غرفة جميل ، بادر بالكلام :

  • استاذ جميل انا جئتك بشان تلك الموظفة التي صرفتها اليوم من الشركة ، عندي سؤال إذا ممكن .

فقال جميل:

  • تفضل ،اسأل .

فقال مدير الإدارة

  • هل يمكن صرف النظر عن هذا الامر ؟ إنها لم تفعل شيئاً تستحق الطرد من الشركة ، انت تظلم هذا المرأة بطردها ، وهي تربي ثلاثة يتامى .

فدهش جميل لما سمع كلمة يتامى و سال بتلهف :

  • كيف ؟ هل هي ارملة ؟

فجلس مدير الإدارة الذي كان واقفاً و اضاف :

  • ليست ارملة بمعنى الكلمة ، ولكن زوجها معاق على الكرسي المتحرك ، نصف مشلول ، لا يستطيع عمل شيء ولا حتى الكلام ، انها تسكن قريبة من بيتنا ، وتعرف, انا الذي جلبتها إلى الشركة لأننا كنا بحاجة إلى موظفة إدارية خريجة جامعة وكانت لديها تلك المؤهلات .

فصمت جميل لبرهة ثم قال :

  • اذهب الآن و سأفكر بالأمر و اعطيك الجواب .

فقال مدير الإدارة :

  • ماذا اقول لها الآن ، ماذا ستفعل هي الان ؟

فرد جميل بعصبية :

قلت لك اذهب الآن و سأعطيك الجواب لاحقاً.

بعد ساعة استدعى جميل مدير الإدارة إلى مكتبه وقال له :

  • حدثني عن جارتك هذه التي اسمها ليلى .

فقال مدير الإدارة :

  • يا استاذ ، اصبحت هذه المرأة جارتي منذ سنتين او ثلاث ، ولما جاءت كان وضعهم مزرياً ، عاونها اهل الحي في ايام الاعياد و المناسبات, يجمعون لها صدقاتهم، اشتغلت خادمة في المنازل, تعاون النساء في ترتيب البيت و ما شابه ذلك، ولما سالت عنها بعض الجيران قالوا ان زوجها كان ابن احد اثرياء المدينة و لما مات ابوه ترك له ارثاً كبيراً ، ولكن الرجل الله يسامحه لم يعرف ادارة موارده و امواله فوقع في ايدي بعض اصدقاء السوء فجروده من كل شيء ، يقولون أنه خسر كل ما يملك في اسبوع واحد من لعب القمار, سترنا الله، فطُرد هو واسرته من البيت الذي تركه له والده ، واصبح في الشارع ، هو و امه و زوجته وثلاثة اطفال . يُقال إنه استأجر قبواً في وسط المدينة و حاول ايجاد عمل ، فعمل فترة عامل تنظيف في نفس العمارة ولكن نزلت عليه المصائب واحدة تلوه الاخرى ، فماتت امه في الاشهر الاولى من عيشهم في القبو ، ثم اصيب هو بجلطة دماغية عنيفة فأصيب بشلل نصفي ، واصبح مقعداً على كرسي حتى انه لا يستطيع الكلام ، ثم طرده صاحب العمارة واجر القبو لشخص اخر . من هناك اتوا إلى الدار الذي بقرب بيتنا ، كما تعرف يا استاذ الايجارات عندنا رخيصة فالبيوت القديمة دائماً ارخص ايجاراً من الجديدة . منذ قدومها الحي وهذه المرأة تعمل خادمة في البيوت ، تساعد النساء في اعمال البيت: الغسل و الكنس, وهم يعطونها قلبلاً من المال مع الملابس مستعملة و الطعام الزائد ، اتت في احدى الايام لتساعد زوجتي في اعمال المنزل و تعارفا و منذ ذلك الحين كانت كل اسبوع تأتي يومين او ثلاثة لتساعدنا في البيت ، وتعرف يا استاذ النساء و كلامهم الذي لا ينتهي ، فقصت قصتها لزوجتي بانها خريجة جامعة و زوجها مقعد و لديها اطفال صغار لذا هي تعمل لوحدها لإعالة عائلتها ، رجت زوجتي بان اجد لها وظيفة حتى لو كانت تنظيف في الشركة ، وحضرتك تعرف بان احدى موظفات قسم الإدارة قد تركت العمل منذ اشهر و اصبحنا بحاجة إلى موظفة جديدة ، فألحت زوجتي عليّ بان اعينها في الشركة بدلاً من تلك الموظفة ، لا اعرف هل تتذكر ام لا؟ فاتحتك بالموضوع فوافقت و اجرينا انا ومدير الحسابات مقابلة لها و كانت ملمة بشؤن الادارة فقبلناها و اصدرت حضرتك امر تعينيها قبل شهرين على ما اذكر او اكثر من ذلك بقليل ، ولكن الذي حيرني ، ماذا فعلت هي حتى تصدر امر فصلها عن وظيفتها ؟

بعد هذا السرد ساد الصمت لبرهة و ظهرت علامات غريبة بين حزنٍ دفين و بهجةٍ ظاهرة على وجه جميل ، فقال مدير الادارة :

  • سيد جميل إلى اين تريد أن تصل ؟

فرد جميل :

  • لا ، لا شيء بتاتاً .

ثم اضاف بحرص و لهجة قوية :

  • اسمع يا استاذ ، مادام الامر هكذا ، لتبقى جارتك هذه في الشركة ولكن بشرط أن لا تخرج من غرفتها مهما كانت الاسباب و حتى المطعم لا تذهب إليها فليجبلوا لها ما تريد من الاكل و الشرب ، تخرج فقط إلى دورة المياه و لمرة واحدة في اليوم عند الضرورة القصوى ، هذا كل ما عندي اذهب و بلغها ، مع السلامة .

 

 

 

 

 

 

Leave A Reply