الجباية في الحياة النيابية

0 177

كتبت/رحاب احمد

قبل أن تعرف مصر الحياة النيابية، وقبل أن يكون لشعبها ممثلين منتخبين يراقبون أعمال الحكام فيصوبون قرارتهم ويرشدون أعمالهم ويقومون سياساتهم، تصدرت الزعامات الشعبية من مشايخ ونقباء وأعيان المشهد للقيام بمهام ضبط إيقاع العلاقة بين الحكام والمحكومين. في بعض الأحيان نجح هؤلاء الزعماء في مهمتهم، وفي أحيان كثيرة اندلعت ثورات وانتفاضات إثر صم الحكام آذانهم عن سماع آنين الشعب واستهانتهم بنصائح ممثليه.
ض
خلال فترة الحكم العثماني تحول الأزهر الشريف بما له من ثقل إلى ملاذ لأصحاب الحقوق، وحل علماؤه محل نواب الشعب وممثليه، يلتقون بالولاة ويعبرون عن انحيازات الناس ويدفعون عنهم الظلم ويسعون في قضاء حاجاتهم، وعندما تتعقد الأمور ويصر الحكام على جورهم يتقدمون الثورات ويعلنون التمرد على من عصىي

(تجديد الفكر السياسي)

قبيل الحملة الفرنسية على مصر بسنوات قليلة، تدهورت أوضاع البلاد والعباد، وتحول الولاة العثمانيون ورجالهم من المماليك إلى جُباة للإتاوات والضرائب التي أرهقت كاهل المصريين، فاندلعت في سنة 1795 ثورة شعبية، انتهت بإرغام الوالي العثماني على وضع أول وثيقة مكتوبة تنظم العلاقة بين الحكام والمحكومين في تاريخ مصر.

بدأت القصة عام 1795 عندما فرض محمد بك الألفي أحد أمراء المماليك إتاوة جديدة على أهالي بلبيس بالشرقية. حصل رجال الألفي الإتاوة الجديدة واسخدموا كل وسائل القمع في تحصيلها، فتوجه وفد من الأهالي إلى القاهرة قاصدين الجامع الأزهر. كان في استقبالهم كل من الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر، والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف، وطالبوهم بالتدخل لدى مراد بك وإبراهيم بك لرفع الظلم الواقع عليهم.

استخف مراد وإبراهيم بشكوى الأهالي، ولم يقدرا تدخل شيخ الأزهر ونقيب الأشراف، فتصاعد الغضب في نفوس الأهالي، وانفجرت الثورة ضد بكوات المماليك الذين كانوا يشاركون الباشا العثماني في إدارة البلاد.

قاد مشايخ الأزهر ونقيب الأشراف تمرد الأهالي، وطالبوهم بغلق الحوانيت والأسواق، وتوجهوا معًا إلى منزل الشيخ شمس الدين محمد أبو الأنوار السادات، وكان المسؤول عن إدارة المشهد الحسيني ومسموع الكلمة لدى الولاة العثمانين وأمراء المماليك، وعندما علم إبرهيم بك بتحرك الجماهير أرسل إليه أيوب بك الدفتردار وهو أحد أعوانه، وسألهم عن مطالبهم.

قال الأهالي لممثل إبراهيم: “نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال حوادث السلب والنهب من جانب عساكر المماليك، ونريد إلغاء المكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها – الضرائب والإتاوات- على الأهالي بدون وجه حق”.

ماطل الدفتردار في الرد على مطالب الأهالي قائلاً: “لا يمكن الإجابة على هذا كله، لأننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات”، فسأله الشيخ الشرقاوي: “هل من المعقول أن تتمتعوا وغيركم يتقطعوا؟”. أما السيد عمر مكرم فقال: “إن طلبتم ما في طاقتنا لدفعنا، ولكنكم تجبرون الناس على الثورة، والناس في ضيق من أفعالكم”. وحذر الشيخ السادات حكام المماليك من مغبة أفعالهم قائلاً: “ويل للحاكم من شعبه، إن كان هو وحده المستريح.. ما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك، وهل لا يكون الأمير أميرًا إلا بكثرة ما يملكه أو بكثرة ما ينفقه؟”.

وبعد أن تعالت الأصوات وارتفعت نبرة الغضب، انسحب أيوب بك، وقال لمحدثيه: “ما على الرسول إلا البلاغ، وسوف أبلغ وأعود لكم”. لم يعد أيوب ولم يرد على مطالب الأهالي وزعمائهم، فارتفع منسوب الغضب وأصبحت الثورة فرض عين على كل من وقع عليه ظلم من هؤلاء الولاة العصاة.

أقام الأهالي المتاريس، وصنعوا كور النار وجمعوا النبابيت والعصي، واعتلى الخطباء المنابر يحمسون الناس ضد الظلم والجباية التي فرضها عليهم الحكام، شعر المماليك بالخطر، وأُشير عليهم بإرضاء العامة والاستماع إلى نصائح المشايخ والأعيان لإخماد جذوة الثورة، وأرسل مراد بك البعض في طلب الزعماء ليبحث معهم مطالب الناس.

استعد الأزاهرة ومعهم نقيب الأشراف السيد عمر مكرم للاجتماع بشيخي البلد إبراهيم بك ومراد بك، وأبلغوا الأهالي الذين أصروا على الزحف خلفهم بأن يفعلوا ما عليهم حال غدر بهم أمراء المماليك، “إن لم نعد بعد ساعتين على الأكثر فعليكم القيام بما ترونه”.

وخلال الاجتماع حضر الوالي العثماني، والتقى للمرة الأولى بكل من السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، والشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمد البكري والشيخ أبو الأنوار السادات والشيخ محمد الأمير.

أصر العلماء على تلبية مطالب الشعب، وحاول الحكام أن يماطلوا، ولما طالت مدة الاجتماع، تعالت هتافات الأهالي: “الله أكبر.. الله أكبر”، فشعر الوالي ومعه المماليك بأن الخطر يداهمهم، فاضطروا للخضوع إلى إرادة الشعب، ووقعوا على وثيقة تضمنت مطالب الأهالي وعلى رأسها أن يسدد أمراء المماليك ما اغتصبوه من أموال الشعب ومقداره سبعمائة وخمسين كيسًا، وأمر المشايخ بتوزيعها على أهل بلبيس وبعض فقراء القاهرة.

وأقر أمراء المماليك بإبطال المكوس الجديدة، وعدم فرض أي ضرائب بدون وجه حق وبدون الرجوع إلى العلماء وزعامات الشعب، ووافقوا على استئناف إرسال غلال الحرمين التي كانوا قد امتنعوا عن إرسالها وإعادة صرف غلات الشون وأموال الرزقة التي كانوا قد استولوا عليها، واستئناف أداء العوائد المقررة لأهل الحجاز التي كانت تتكفل مصر الإسلامية بها بشكل دائم.

Leave A Reply