التوقيع علي الميزانية الأمريكية ميزانُ أموالنا وأعمالنا

0 127

كتب : أحمد ابراهيم كاتب اماراتي

على التلفاز كان باراك أوباما واقفاً من واشنطن بقلم التوقيع على الميزانية الأمريكية، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، وفي بيتي المتواضع وقفت ابنتي (عذراء) ذات الربيع السابع بجانبي وهي تُحضر حقيبتها المدرسية لغد مدرسي بعد عطلة العيد، تُلملم كشكول أوراقها، تعالج مسطرتها ومحّايتها وتسألني: بابا، أيش تعني كلمة شات داون Shut-down.؟ .. اقرأ في كل مكان شات داون مؤسسات حكومية أمريكية.
ـ فسألتها: ‘بُنيّتي، وهل سمعت كلمة شات آب Shut-up ؟’
ـ نعم سمعتها بابا.
ـ طيب، وماذا تعني ‘شات آب’ حبيبتي؟
ـ بابا معلّمة اللغة الإنكليزية تقول: ‘شات آب’ يعني اسكت، اخرس .. يعني ‘إنطمّ’ بعاميّتنا.
ـ طيب حبيبتي، ومتى نقول للمرء إنطم، إخرس او ‘شات آب؟’
ـ ‘إممممم، أعتقد بابا، عندما يخطئ المرء نقول له شات آب، إخرس! .. صح بابا؟’ سألتني الطفلة.
ـ فأجابها العجوز: ‘صح حبيبتي صح، وكل ما تشاهدينه لقائل أمام الكاميرا ‘شات داون، شات داون’ إغلاق مؤسسات حكومة أمريكية، لعلّه خلف
الكاميرات يزاعق في وجه المتسبّب ‘شات آب، شات آب’!
وكلمة ‘شات آب’ سهلة النطق، بشوشة الظلّ، قليلة الدسم لمصارع الوزن الخفيف بكلمتين، تقابلها أرقام فلكية خرافية: 16.7 ترليون دولار سقف الدين الأمريكي.. و24 مليار دولار الخسائر الأمريكية، (فقط عن الربع الاخير من العام الحالي) و1. 3 تريليون دولار استثمارات الصين في سندات الخزانة الأمريكية المهددة بالسحب الفوري ومن دون ان تنبسّ بكلمتي’شات آب’.
وشعرت لأول مرة بارتياح لرئيس أمريكي.. نعم، ارتحت والرئيس أوباما يعلن في التلفاز أن واشنطن ارتكبت ‘أخطاء’.. وبأن ‘الأمريكيين ضاقوا ذرعا بواشنطن’.. علّه يقصد ما تُغفر من أخطاء تشريعات الميزانية والهجرة والزراعة، دون غيرها من أخطاء لا تغتفر.
اعترافٌ مهما كان منقوصاً وقلّ نظيره مباشرةً من البيت الأبيض خلف الكاميرات، إلا اني شعرت (بابن الحسين) المعترف السيناتور أوباما، وكأنه ناسكٌ في صومعته يستغفر لذنوب من جلس قبله في البيت الأبيض، إنها أنصافُ الاعتراف للعاجز عن الاعتراف الكامل، لكنه اعتراف من لا يحب ولا يكره، لا يخضع ولا يركع، لا يتعبّدُ للشهوات ولا ينحني للإرهاب، ويعتقد من يجلس في البيت الأبيض عليه ان يكون مواطناً محبّباً لكل الأمريكان، ثم رئيساً أمريكياً محبوباً لكل أمريكا من الداخل، ومقبولاً لكل من يقبل بأمريكا من الخارج.. وليس كما بدا مقبولاً داخل البيت الأبيض على الطريقة النازيه الهتلرية من داخل ترساناتهم الألمانية تجاه كل العالم، بل وتماما كما بدا للاستعمار الفرنسي قبل 52 عاماً من اليوم، انه يحكم قلوب كل الجزائريين عام 1961 وعاد ساركوزي عام 2007 ليعتذر من كل الجزائريين عن كل الفرنسيين، لكنه اختتم زيارته في قسنطينة من حيث بدأها بالإدانة دون الاعتذار.. داعيا الجزائريين الى ‘التطلع نحو المستقبل’ .. متناسياً نافورة الدماء الجزائرية بين عامي 1830 و1962.
ميزانيتك يا أمريكا لماذ تهزّ العالم من الصين للسنغال؟ وتُكيلنا الكيل بمكيالين وميزانين؟ ودولارك يا أمريكا لماذا يدلور العالم من كابل لبغداد، ومن صنعاء للقاهرة، ومن دمشق لمالي، ومن طرابلس لبنغازي؟.. أليس اختطاف رئيس الوزراء الليبي للداخل وأبو أنس الليبي الى الخارج اختراقٌ للسيادة الليبية وتتويجٌ للدولار على الدينار؟ ولماذا أسواقنا الناشئة القادرة المقتدرة، تعصفها الأرصاد الجوية عن بُعد من واشنطن ونيويورك كلما أقيمت فيهما سرادقات المآتم والعزاء، او دقت فيهما طبول عيد الحب! فالتحقت بها أسواق عواصمنا بالشاشات الحمراء والخضراء بالتبعية وعلى التوالي. ولماذا الأغيار نعتبرها عملة صعبة، ونحن أصعب منها بالنفط والرجال، وبالمال والجبال؟ أليست الكوادر البشرية عملة صعبة وما اكثرها موجةً وطوفاناً في العالمين العربي والإسلامي؟ أليس الرىُّ والزراعة والأرض الخصبة عملة صعبة في العالمين؟
ثمّ أليس العقل العربي أقوى العملات ليخاطب اليورو والدولار: (أهلاً بكما ضيفاً علينا لنتعلم ونستفيد، لا أن تستعمرانا فنؤسر بالحديد).
من يدري الميزانية الأمريكية تجميدها المؤقت تمثيل، تحريرها المؤقت فبركة، والقادم قاتم وظالم وهو بيت القصيد.
فهل نجعل اقتصادنا في مهبّ الرياح من الخارج؟ ونحن من الداخل أقوى اقتصاد عالمي بطاقات النفط والغاز والمحاصيل والإنسان.
يبدو أننا جميعاً نسيناها إبنتي عذراء! وما انسانيها الا الميزانية الأمريكية .. وهى لازالت واقفة بحقيبتها المدرسية تنتظر مني الإجابة المفهومة عن ‘شات داون وشات آب’ .. فأسألها (بنيتي أتدرين لماذا تحملين في حقيبتك المسطرة؟.. وقلم الرصاص؟.. والمسّاحة المحّاية.؟) المحّاية: لمحو الأخطاء.
وقلم الرصاص: لان حبره قابل للمحو.
والمسطرة: لاستقامة السطور بُنيّتي.

Leave A Reply