لا شيء يهمّ … صدقني

0 44

بقلم .. حسين يوسف
لم يعُد يشجيني أنين هذا النوع من البشر الذي يظن أنه كان من المفروض أن يشغل الدنيا ويملأ الأسماع ، يرى نفسه دائما مظلوما في بلد تهتم بالراقصات ومطربي الموالد ، وتهدر موهبته الفذة وعبقريته الخارقة ، قد تكون تلك العبقرية مجرد الحصول على المركز الأول في بلطجة امتحانات الدبلوم ، أو المركز الثالث في سباق الغش بامتحانات الثانوية العامة .
هون عليك يا صديقي فلدى محدثك من المواهب ما يجعل شهادتك ومركزك المتقدم ورقة تافهة ، في سلة مهترئة للمهملات بركن بعيد … لو شئتُ لقلتُ كل أسبوع قصيدة تنافس أحلى ما كتب نزار ، و لكتبتُ كل شهر رواية يصعب التمييز بينها وبين ما كتب نجيب وإدريس ، ولو أردت الوعظ لكان الحويني وحسان صبية بُلهاء يلعبون حولي ، ولو أردت المال بطرق الفاسدين والدجالين ، لأبكيت الصبايا والأغبياء ، وأنا أصنع حجابا للمحبة وآخر لكشف الكنوز ، ورشرشة لرد المطلقات وشبشبة لكيد العوازل ، بموهبة تفوق بطل البيضة والحجر ، ولو اقتنعت بالوعظ وظيفة لزلزلت المنابر تحت قدميّ من هول الترغيب والترهيب ، وبلاغة في وصف أهوال الجحيم تحرق جسدك الغض .
لكن كل هذا لا يعجبني ، لا زلت أفخر بكوني معلما ، أو مديرا للتعليم في مدرسة ، أتحسس جيوبي كل صباح وأنا ذاهب للمدرسة ، وأفرغها حين أعود بمنتهى الرضا ، نظرة الحب في عيني ابنتي ، وشقاوة ابني حين بلغ معي السعي تراقص قلبي ، فيطير في فضاءات تقهر كل مشاهير الفضائيات ، لم أشعر يوما أني مظلوم وأني ضحية وأن الدنيا قستْ علي … إنني في المكان الصحيح معلم ، بل كنت دائما أستكثر على نفسي ما أنا فيه من النعم ، وأتساءل هل صنعتُ ما أستحق عليه تلك المنح ؟ .
زوجة محبة ودود وبنين وبنات ، وصحة في النفس والأهل والولد ، ونظرات حب في عيون الأحبة ، ونظرات حقد تتوارى خجلا بحضوري ، سيارات تقف بعرض الطريق لتحملني إلى حيث أشاء ، وصاحبها يسأل انت مش فاكرني يا باشا أنا فلان بتاع تالتة أول ودلوقتي دكتور ، أبتسم له وأتذكره فأنا لا أنسى تلاميذي ، أعيش آمنا في سربي لا ديْن عليّ ولا مطاردة من شرطي ، ولم آخذ ما ليس لي لأعيش قلقا بانتظار ساعة الحساب وشماتة الأدعياء .
أي شهرة وأي مجد ومال يساوي حرمانك من نعمة واحدة مما ذكرت ، عش كما يعيش الناس ، وارفق بنفسك وأهلك ووطنك وانظر كيف تفيدهم وتسعدهم ، فوالله لا شيء يهم غيرهم … ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .
——————–
ودمتم ؛ حسين يوسف

Leave A Reply