الآيادي الآثمة

0 68

أ.د..محرز غالي

لم أنس أبدا هذا اليوم، ولم تستطع ذاكرتي – التي بدأت تدخل مرحلة الشيخوخة- أن تتجاوزه أو تسقطه من حساباتها، فقد كان الخبر غريبا وصادما ؛ حيث دارت الألسن في القرية تلهج بقصة خطوبة عفاف وهلباوي .. بالفعل كان الخبر غريبا كمعظم الأخبار والحوادث التي تشهدها قريتي !! ووجه الغرابة فيه أن عفاف رغم جمالها، وحلاوة تقاسيمها، وفتنة تكوينها الجسماني، كانت أكبر من خطيبها بخمس عشرة سنة على الأقل، حيث كان لايزال صبيا صغيرا لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، وكانت هي قد بلغت الثلاثين بعد أن فاتها قطار الزواج، بسبب ما كان يردده البعض حول تلك العلاقات المشبوهة التي قيل أنها كانت تجمعها ببعض شباب القرية، ومنهم خطيبها السابق، الذي قيل إنه أجبر على خطبتها بعد أن نصبت له فخا بالإتفاق مع أمها، وقد مات وتركها، ورحل عنها في عز شبابه قبل أن يدخل بها.
تناقل الناس الخبر بين مصدق ومكذب. وككل الأخبار في قريتنا، يلوكها الناس بعض الوقت، ثم لا يلبثون أن يرموها خلف ظهورهم، دون اكتراث حقيقي، بعد أن يتلاشى وقع الخبر عليهم، على خلافي أنا هذه المرة – وكنت أحد المفتونين بها كغيري، رغم صغر سني الذي لم يكن يزيد عن عمر خطيبها بأكثر من سنتين فقط – فقد شغلني الموضوع إلى درجة كبيرة، فأخذت أتنقل بين المجالس، من مجلس إلى مجلس، وألقي بأذني بين الجالسين، علني أصل إلى السبب الحقيقي الذي كان دافعا وراء هذه الزيجة الغريبة، هل يعقل أن يكون هذا الصبي المعروف بشقاوته وشيطنته قد نجح في الإيقاع بها مثلما كان يسعى الجميع صغيرا وكبيرا ؟ هل يعقل أن يكون قد تم ضبطهما معا في هذا الوضع الأثير الذي طالما تاقت إليه كثير من الأنفس الحالمة بها؟ أسئلة كثيرة ظلت تتردد داخلي وتسيطر على تفكيري، خاصة أنني كنت أمني نفسي دائما بقرب الوصال معها، وسيطرتها على كل تفكيري وكل كياني، إلى أن سمعت أحدهم في أحد المجالس المنصوبة أمام أحد المقاهي وعلى قارعة الطريق يقول: ما دريتوش يا جماعة إيه سبب جواز البت عفاف والواد هلباوي ؟؟ فرد الجميع في نفس واحد : خير يا أبو العريف ؟ ما تقول لنا ، ياكش تكون جبت الديب من ديله . فإذا بالرجل يلقي بالمفاجأة الصادمة ويقول : أبدا ولا ديب ولا حاجة، أصل الموضوع كله على بعضه كده ” مخلاص حق” أبو البت عفاف كان سالف قرشين من أبو الواد هلباوي ولما طالبه بيهم أكتر من مرة وما قدرش يردهم، فأبوها بنفسه اللي اقترح على أبو الهلباوي مسألة الجواز دي، والراجل ما صدق لقاها فرصة يرد حقه، ويجوز ابنه جوزاة ببلاش. وبالرغم من غرابة القصة برمتها إلا أنني لا أدري لماذا فرحت جدا بهذا التفسير ورضيت به نفسي .
أسابيع قليلة وعرفت القرية أن الليلة هي ليلة زفاف عفاف وبدأ الناس – المدعوين وغير المدعوين وأنا بينهم- يتوافدون للمشاركة في زفتها، التي كان يفترض أنها ستجوب القرية سيرا على الأقدام من بيتها لبيت زوجها وفقا لتقاليد هذا الزمن منذ أكثر من ثلاثين عاما. وأخذ الناس ينتظرون هذه اللحظة، التي كان يعتبرها البعض مسرحية هزلية، لا ينبغي أن يفوت الفرصة للمشاركة فيها، في حين كان يعتبرها البعض الآخر -خاصة هؤلاء العابثين- فصلا جديدا من فصول أحلامهم باقتراب اللقاء. ووقفت بين الجميع أنتظر خروج العروس، لأرى كيف ستبدو هيئتها برفقة هذا الصبي الغر، وهي الفرسة الجموح، التي تحتاج إلى فارس حقيقي، لديها القدرة الحقيقية على ترويضها. فجأة ونحن في انتظار خروج العروس سمعت سيدة من خلفي تقول لجارتها : ربنا يستر ع الواد ده ، دي البت فرسة وعايزة سبع خيالة، مش حتة عيل، دي هتقضي عليها في أسبوعين .. ظلت هذه الجملة تتردد في مسامعي، ولا أدري لماذا صدقتها كأنها بمثابة حكم نهائي على هذا الفتى البغيض، الذي تجرأ على الاقتراب من هذه الأيقونة التي كانت قبلة كل العشاق يوما ما.
وبالفعل كما توقع الجميع ، كان المشهد عبثيا، ومجرد مهزلة كبرى؛ فالعريس منكمش على ذاته، ويتضاءل حجمه ووزنه مع مرور كل دقيقة، تبدو عليه علامات الارتباك الحقيقي، ويتصبب عرقا ، والعروسة أشبه بملكات الإغريق والأساطير، شديدة الفتنة باهرة الجمال، تنظر إلى الجميع- خاصة هؤلاء الذين خذلوها – نظرة احتقار وازدراء . مشي الجميع في موكب العرس حزانى على غير عادة كل الأعراس، ويبدو أن أهل العروسين كانوا أكثر حكمة وحنكة مما توقع البعض، فأنهوا الزفة سريعا، دون التزام بأي من التقاليد المعروفة في مثل هذه المناسبات، وانتهت الليلة وعاد الجميع إلى بيوتهم والكل يترقب ما سوف تسفر عنه الأيام القادمة .
عدت من الفرح تسيطر على سحابة من الحزن وتسيطر على نفسي أمنية وحيدة تجسدها مقولة تلك المرأة اللعوب التي كانت تشبه عفاف في شبابها، بهلاك هذا الفتى قريبا على يدي هذه المهرة، وعودتها لحياتها الطبيعية من جديد. وأخذت كل يوم أترقب بشغف ما سوف تسفر عنه الحوادث؛ بل أنني كنت أتعمد كل يوم أن أمر أمام بيتها الجديد؛ بيت الزوجية، لأراها واتسمع أخبارها . ومرت أيام وأسابيع وشهور وهي محجوبة عن الشارع، وعن الخروج من المنزل، والجميع يحاول تصيد أخبارها دون جدوى ،،حتى كثرت الشائعات حولها وحول زوجها فمن قائل أنها أعجزته عن الحركة لصغر سنه وتباين مساحات القدرة الجسدية بينهما، ومن قائل أنه فتن بها بعد أن أذاقته من بحور شهدها وعسلها المصفى، وأنه صار يغار عليها ويمنعها حتى من الخروج لبيت أهلها، ومن قائل، ومن قائل، حتى كثر اللغط حولها . وفي أحد الأيام وقد كنت أتسكع في الطرقات بحثا عن بعض الرفاق أو ربما طلبا لمعجزة رؤيتها واللقاء بها، وجدتها تسير في الشارع وحدها، لا أدري أين وجهتها ، لكن .. يالهول ما رأيت !! أنها ليست هي عفاف التي كنا نعرفها، لقد ذبلت تماما، وذهبت عنها فتنتها وفورتها وأنثوتها وعنفوانها، وانطفأ بريقها . كانت تسير في الشارع كأنها غائبة عن الوعي، حاولت أن ألقي السلام عليها، ولكن صوتي لم يتجاوز سقف حلقي، فكيف لي أن أسألها واطمئن على أحوالها، وأحوالها بادية عليها بوضوح ؟! وبماذا أتوقع أن ترد بعد أن أدركت أن جميع العشاق الذين كانوا يخطبون ودها هم أول من خذلوها، تحت وطأة هذه الحكايات والأوهام الذين كانوا أول من صنعوها، وأول من روجوا لها، حتى تدون أسماؤهم في سجلات العشاق، ولو كذبا وبهتانا، ولو كان ذلك على أشلاء كرامتها وجسدها وروحها التي سبق وحكموا عليها بالفناء، وهي مازالت على قيد الحياة .. تركتها وانصرفت، ومن يومها لم أفكر ولو لحظة أن أراها مرة أخرى .. فقد أصبحت بالنسبة لي في حكم الميتة فعليا، ليس لأنها تزوجت ذلك الرجل، ولكن لأنها فقدت روحها التي كانت تلهم الجميع كل معاني العشق والجمال، ولأنني كنت بشكل أو بآخر أعتبر نفسي ممن شاركوا في جريمة اغتيالها.

Leave A Reply