الرئيسية » عاجل » ” نسمات الربيع “

” نسمات الربيع “

كتب / هشام نوفل .

فصل الربيع من أعدل الفصول وأجملها ، ليلاً ونهاراً معتدلان بين الحر والبرد، ونسيمه معتدل بين اليبوسة والرطوبة، وشمسه معتدلة في العلو والهبوط ، وقمره معتدل في أول درجة من الليالي البيض ، قال بعض العلماء كانت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول .

فالربيع حديقة غناء وجمال ساحر، يشهد للحق في سره، ويناجي الخالق بروعة دلاله وبهجة جماله، كان مادة شعرية للشعراء، سحرهم بجماله وبهرهم بدلاله فجادت قرائحهم أجمل الأشعار .

فالربيع يأنس به الفقير الذي يرى في جماله ما يعوضه عن الحرمان وفي ضحكته ما يجدد في نفسه الآمال ، وفي نسماته عبير المستقبل ، وهو روضة للعابدين وأنس للموحدين وسعادة للمشتاقين، يرون الجمال في الخلق فيسبحون الخالق، والتجدد في الأزهار فتتجدد لهم الآمال بغد إيماني تتفتح فيه أزاهير الطاعات في نفوسهم .

فإن وجدت الجمال فاسأل عن مبدعه وأن رأيت الصنعة فاسأل عن صانعها، لا تجعل الجمال يحول بينك وبين من سواه، ولا تشغل نفسك بالرسالة وتغفل عن مرسلها فالربيع له رسالة، يبعث بها عبر نسماته وأزهاره وعبيره .

يحكي بلسان حاله حكاية الإنسان ، وتغير أحواله، كيف وجد وكيف كبر وكيف شب ثم كيف عاد الكرة إلى ضعف وذبول ثم موت ثم بعث من جديد، كل وردة من وردات الربيع وكل زهرة من زهراته وكل نسمة من نسماته هي تاريخ متحرك هي سيرة خلق تخاطب كل عاقل و ليس هذا بإكتهال بل هو سحر الخلاق .

حيث أن الجمال يحمل نقيضه ، والحسن يخفي ضده ، ففي مقالة نشرها المركز الفلسطيني للإعلام على الإنترنت تكلم فيها كاتبها عن نباتات الربيع ومنها نبات اللوف ويحمل الاسم العلمي (لوف فلسطيني) ، و تحمل هذه النبتة تناقضاتٍ كثيرة داخلها ، فهي خضراء غامقة بشكلٍ جميل و ساطع ، و في الوقت ذاته فإنّ أوراقها تبدو خشنة ، و الأغرب أنها سامَّة بجميع أجزائها ، و رغم ذلك فإنّ هناك من يبحث عنها ليأكلها و تشكّل طبقاً مفضّلاً لدى كثيرٍ من الفلاحين الفلسطينيين .

وعزّزت معلوماتٌ نُشِرت عنها كنبتة مقاومة للسرطان ، إلى إقدام أجيالٍ شابة بالبحث عنها، و اختراع أطباق مختلفة منها تختلف عن تلك التقليدية التي تجيد طهيها كبيرات السن، و يقول أبو حسن عوينة و هو خبير أعشاب:

إنّ اللوف مقاومٌ فعلاً لأمراض السرطان، وأنّ فوائده الطبية معروفة للعرب منذ القدم، و يضيف أنه بعد تجفيفه يصبح غير سام ، و يتمّ طهيه للتخلّص من سميته و للتخفيف من دسمه .
فالطبيعة الجميلة هي سلاح ذو حدين، فهي هداية لمن نظر إليها بعين الحكمة وهي غواية لمن غفل عن الحكمة فيها ، شأنها كشأن نبات اللوف جميل المنظر نافع لعلاج الأمراض لمن اهتدى للسر المودع فيه، ولكنه خشن الملمس سمه قاتل لمن غفل عن سره واشتغل بمظهره .
و معى ذلك فإن التغير في الطبيعة من تنقل الفصول وتلون الزهور وتفتح الورود كل ذلك شاهد توحيد وبرهان إيمان، فالطبيعة الجميلة تشير بلسان الحال لمبدعها وتهدي في تغير الأحوال لخالقها تأمَّلاً فى سطور الكائنات فإنها من الملك الأعلى إليك رسائـل .

فالحجاب الذي يمنع الإنسان من رؤية الجمال السامي ومشاهدة التجليات الجليلة هو حجاب الغفلة من الناظر ، ينظر ببصره لا ببصيرته وبعين رأسه لا بعين قلبه، وبعين الأسباب والطبيعة لا بعين الحكمة والتوحيد، فإذا تأمل بتدبر ونظر بتفكر اهتدى إلى الجمال الحقيقي وعاش حياة تناسق وتناغم بينه وبين الطبيعة، لا تحجبه عن الله ولا تمنعه من رؤية مولاه ، بل يراه في كل زهرة أو وردة من رياض الربيع .

عن هشام نوفل

اضف رد